
إلى محمد شحادة وداعا ... بل إلى لقاء أيها الفارس
هل يحق لي ان العن الصدف ، لماذا يا صديقي منحتني هذه النظرة الاخيرة المبتسمة ، لماذا التقينا في المصعد اللعين قبل استشهادك باربعين دقيقة ، وعدنا سريعا بالذاكرة ثلاثين عاما بالتمام والكمال حين كنا على مقعد الدراسة في مدرسة المهد الثانوية ، لم ارك في الثماني سنوات الاخيرة سوى مرتين مرة قبل عام ومرة يوم استشهادك ، كنت انتظر المصعد امام مكتبي في الطابق السابع حين كنت ورفيقك احمد تتبادلون اخر الكلمات مع ناصر اللحام في الطابق الثامن قبل ان تستقلوا المصعد ، لم اصدق ان هذا الصوت الذي اعرفه هو صوتك ثم ها انت امامي عندما فتح باب المصعد تعانقنا طويلا وطلبت من صديقنا احمد ان يبعد فوهة بندقيته الطويلة عن ركبتي في المصعد الضيق لئلا تنطلق رصاصة خاطئة ، وعرضت علي كأس القهوة التي تحملها بيدك ، فقلت لك اشرب انت .
لم تجلس حتى لشرب القهوة وحملتها معك كأنك كنت في عجلة الى مصير الخلود ، لمتك على الظهور في هذا الوقت العصيب ، فقلت لي اتذكر قبل ثلاثين عاما حين كنا ننظم المظاهرات في المدرسة ، هل اختلف شيء منذ ذلك الوقت سوى الى الاسوأ ،لا تخف فانا اعرف كيف اتحرك ، قلت لك انا قصدي ان اسرائيل كلما حصل حديث عن هدنة تسارع الى عمليات الاغتيال قبل الوصول الى اتفاق وفي كل الاحوال لا ثقة بهؤلاء القتلة مهما حصل من اتفاقيات ، ثم تمازحنا حول بطن احمد ونصاحته قلت لي وتلك الابتسامة لا تفارقك ابدا ، قل له ان يتوقف عن الاكل الكثير ، ثم حدثتني بحزن عن البيت الذي هدموه قبل ايام وساووه بالارض ، واخبرتني انهم لم يعتقلوا احدا بل حولوا بيت احد الجيران الى غرفة تحقيق ميدانية ثم اطلقوهم ، كل هذا الحديث ونحن في المصعد ، واذكر حين توقف المصعد امام الطابق الرابع ولم يكن احدا، تحفز حسك الامني وسألتني لماذا توقف ولا يوجد احد ، اخبرتك ان الرابع والثامن لوكالة معا وكثيرا ما يتحرك المصعد بينهما ويتوقف عليهما ، ثم غادرنا العمارة ومشينا باتجاه السيارات وكان صديقك ينتظركما بالقرب من السيارة ، فصرخت بك وكمان سيارة حمراء مثل الثور الابرق ، بدلها بلون يوجد منه الكثير في الشارع فقلت لي مرة اخرى لا تقلق وكانت اخر كلماتي الله يحميكوا ، وذهبت الى سيارتي .
حين وصلت البيت قلت لزوجتي انني رأيتك وانا قلق عليك لانك تتجول في مثل هذه الاوقات وفاشيوا اسرائيل مصرون على قتلك ، وان احمد كان يستعمل هاتفه النقال ونحن في المصعد وهذا ليس صحيح ، ثم ، ثم رن جرس الهاتف اللعين وجاء الخبر العاجل ، اربعة ولم تذكر الاسماء ، حاولت اقناع نفسي انكم كنتم ثلاثة فربما الحديث عن اخرين ، اتصلت بوكالة معا وكان الخبر ، همت على وجهي دقائق وخرجت من البيت، سألتني ابنتي الصغيرة الى اين قلت لا اعرف ، وجدت نفسي امام المستشفى مع الاف الناس ، ورأيتك بدون الابتسامة.
انت لست غيرك ، انت حافظت على شرف السلاح ، انت كنت قدوة لكل المناضلين ، انت الان في مكان لا يصله الا انت ، انت لن تنسى ، ونحن لنا الحسرة والالم ، ولكن تأكد ان النصر ات ولو بعد حين .
محمد ، سأذهب الان الى جنازتك ، واعود اليك بعدها ،.....
محمد ها قد ودعناك ودفناك كنا عشرات الالاف ، لم توحدنا قبل استشهادك ، فوحدنا دمك ، كانت كل الرايات تتعانق ، من اقصى اليسار الى اقصى اليمين ، محمد اذكر قولك قبل سنين ان صاحب الحق لا يذرف الدموع بل الغضب والرصاص ، ولكن اعذرني، اليوم وامس عجزت عن حبس الدموع ربما لاول مرة في حياتي ، لم استطع ان اراك بدون تلك الابتسامة والثقة بالنفس ، فذرفت الدموع ، اعذرني والى لقاء.