رسائل لم يحملها البريد
بقلم الشيخ عبد الرءوف اللبدي
المدرس بكلية الشريعة
تلميذي القديم وزميلي الجديد:
كتبت إلي أنك قد انتهيت من دراساتك العليا, وأنك على وشك أن تصبح زميلا جديدا في ميدان التعليم, هنيئا لك ذاك النجاح! ومرحبا بهذه الزمالة الجديدة!.
سألتني أن أمدك بشيء من النصح، وأن أزودك ببعض التجارب تجارب الآخرين قلما تفيد أيها الزميل الجديد، ومع ذلك فلن تراني عليك ضنينا غير أني أحب أن أقول شيئا قبل أن أمضي بعيد في هذه الرسالة, أحب أن أقول لك: ابحث عن عمل آخر إذا كنت لا تحب التعليم, ولا تجد فيه ري ظمأ، ولا قرة عين.
أنت مقبل على عمل شاق يرهق الجسم والعقل، يشغلك النهار وزلفا من الليل، فإذا لم تكن لديك رغبة صادقة فيه ظلمت نفسك، وظلمت كثيرا من طلاب العلم معك.
إن إخفاق كثير من الناس في أعمالهم والوظائف، مرده في كثير من الأحوال إلى أنهم لم ينالوها عن رغبة واقتدار، وإنما هي أشياء عثروا بها في ظلمات الليل، أو عثرت بهم وهم عنها غافلون.
سرني أيها الزميل الكريم ما نلته من نجاح وسرني أن تصبح من ذوي الشهادات العالية، ولعلك نشرت هذا في الصحف، وعلقت وثائقه على جدران غرفة الاستقبال، ليراه الزائرون، وليذيعوا به في المجالس.
ليس بالغريب أن يشعر الإنسان بالزهو حين يصبح شيئا مذكورا بعد أن لم يكن، غير أني لا أحب أن تزهو بهذا على عباد الله، وأن تقف أمام طلابك نفاشا تفتح به فاك، وتجحظ له عيناك، وتميل برأسك ذات اليمن تارة وذات اليسار تارة أخرى.
قد تجلب عليك الوظيفة أموالا ما كنت لتجدها أيام كنت طالبا، فتزين لك نفسك أن تظهر شخصيتك عن طريق البزة الأنيقة، والحذاء اللامع، والملابس الفارهة، وأن تخرج على الناس يوما بعد يوم في حلة جديدة، تميس فيها كأنك في ليلة الزفاف. إلا ما تزين لك نفسك! وبئست طريقة تلك الطريق!.
لا يخدعنك ما حصلته في الجامعة من العلم عن مواصلة الإطلاع والقراءة، فأنت لم تحصل من العلم إلا قليلا، وهذه الشهادات التي حملتها بعد سنوات طويلة لا تغنيك شيئا أمام طلابك إذا دارت رحى النقاش، وناشتك أسئلتهم من كل جانب، فيفلت الزمام من بين يديك، وتتخلف عن مركز القيادة، وهيهات أن تجد المقيل من هذا العثار!.
أرجو أن لا تسلك سبيل الفرار في غرف التدريس، والفرار أيها الزميل الجديد ألوان شتى، وطرق مختلفة، لا أريد أن أقصها جميعا عليك، ولا أريد أن أعددها لك.
يشق بعض المدرسين أحيانا أن يمضي قدما في مناقشة الموضوع وبسط ما فيه من مسائل، فيتسلل على حين غفلة من الطلاب، أو على حين يقظة، ويعطف بعنان لسانه إلى موضوع آخر يلذ لكثير من الطلاب سماعه، فيحدثهم عن ذكرياته: ذكريات الطفولة، وذكريات المدرسة، وذكريات الجامعة، وذكريات الحياة وما وقع له فيها من طرائف، وما شاهده فيها من أعاجيب.
ولعلك سمعت أو رأيت في أثناء جلوسك على مقاعد الدراسة، وأنت تودع مدرسا وتستقبل آخر، لعلك سمعت أو رأيت من يحدث تلاميذه أخبارا خاصة عن أسرته وأبنائه وذوي قرباه، كأنما الفصل صديق حميم، فهو يفضي إليه ببنات صدره وأفراح قلبه.
لا أريد أن أذهب أبعد من هذا خشاة أن أنسى شيئا أنا حريص على أن أحذرك منه، وأخاف أن تقع فيه، ذلك أن يجرك الطلاب إلى الحديث عن السياسة، أو تجرهم أنت إلى الحديث عنها، فتشب في الفصل (حرائق) لا تستطيع إطفاءها حنى آخر العام، ويفسد عليك من الأمر مالا تجد إلى إصلاحه سبيلا.
أحب أن تلتزم موضوع الدرس، وألا تحيد عنه، وإذا دهمتك ضرورة عابرة، أو غلبتك مناسبة طارئة، وقفت عندها قليلا وقوف العابر العجلان.
الحذر الحذر أن تتصيد المناسبات لتلقي عن كاهلك أثقال الدرس، وتخرج عن الجادة إلى الشعاب والأودية!!.
أقبل على طلابك كما يقبل الصباح، يحمل النشاط والحياة والنور، فيقبلوا عليك مستيقظين واعين، ويسيروا معك على الطريق شوطا بعيدا، دون أن يدركهم فتور، أو يغشاهم النعاس، يسألون فتجيب، وتسأل فيجيبون، وتكون من وراء ذلك حركة ذهنية دائبة، لكم فيها غنم كبير ومنافع.
لا تقبل عليهم كما يقبل الليل، ثقيل الوطأة، بطيء الخطا، تمشي كأنما رجلاك شدتا بالسلاسل، يقرؤون في وجهك الخذلان والفتور والتكلف، وتكلمهم بلسان عاثر، وفكر مشرَّد، غير آبه لما يجري من حولك، فيعقد الطلاب الندوات الصغيرة في فصلك على غير موعد، ويتخذون القرارات وأنت لا تدري، ويقع فريق منهم في نوم عميق يحملون فيه أن قد مرضت، وأخذت إجازة طويلة للأمد.
كن جريئا واسع الصدر، وتقبل أسئلة الطلاب العلمية، ومناقشاتهم في موضوع البحث، بنفس راضية، وقلب مطمئن، وإذا رأيت في غمرة الحوار والنقاش رأيا من الآراء على الصواب، ولكنه مخالف لرأيك، فلا تسفهه، ولا تحاول التقليل من شأنه، غرورا منك، وتفردا بالصواب، قابل ذلك بالاعتراف والثناء والتشجيع، ولا يغلبنك على نفسك الهوى.
لست معصوما من الخطأ، فلا يعظمن على نفسك الرجوع إلى حق إذا نبهك أحد إليه، أو تبين لك الأمر فيما بعد، ولا حاجة إلى أن يحمر وجهك من خجل، أو يصفر من خوف، أو تضطرب ساقك من تحتك، وطن النفس على هذا منذ يومك الأول، فإنه لا بد ملاقيك.
لا يحملنك خلاف الرأي بينك وبين طلابك، ونقاشهم لك على الحقد والثأر، إنهم طلاب علم، قد يوسوس لك الشيطان أن أحدا منهم يريد أن تزل بك القدم، فلا تستجيب إلى تلك الوساوس، وظن بهم خيرا، وكن لهم رائد علم، لا قائد كتيبة.
لا ترفع بينك وبين طلابك جدارا من الكبرياء والتعاظم، لتحول بينهم وبين أن يسألوك عن غامض المسائل، كن أخا لهم، ودعهم يشعرون بهده الأخوة، فلا يتجافون عن سؤال، ولا يمسكهم الحياء عن المناقشة.
إياك أن يتولاك الكذب والغرور!! فتجيب عما تعلم وما لا تعلم، كن صريحا في شجاعة، وقل لا أعلم فيما لا تعلم، إنك إن تجبهم عن جهالة فسوف يتكشّف أمرك ذات يوم، ويبرح الخفاء، وتضيع الثقة بينك وبين طلابك، وتفقد أعز ما يملكه المدرس في دنيا التعليم.
الطلاب في غرف التدريس سواسية، فليس فيهم صديق تواده وتحابيه، ولا عدو تحاده وتجافيه، أقبل بوجهك على القريب والبعيد، وتقبل سؤال الغبي والفطن، وكن شجرة دانية القطوف، طيبة الجنى.
ماذا سيكون نصبك هذا العام؟! وما الذي ستكون عليه غرفة المدرسين في معهدك؟! أتراها تكون كنافخ الكير؟! أم تراها تكون كبائع العطر؟! ومهما يكن من أمر، فأفضل مكان تأوي إليه في حصص الفراغ هو المكتبة، هنالك تنجو من الأحياء، وتخلص إلى جماعة من الموتى، ماتت معهم الأحقاد والأطماع وتفاهات دنياهم، وتركوا وراءهم علما ينفع الناس.
أنت لا تزال في ربيع العمر وشرخ الشباب، فلا تذهبن ساعات فراغك أباديد، وظف شيئا من الفراغ لعمل أدبي، أو دراسة علمية، واترك في عالم الأدب ودنيا العلماء شيئا ذا بال.
لا تنتظر إلى أن تعضك الشيخوخة بأنيابها، ويتقوس الظهر من هرم، فليست الحياة ساعة تديرها في المعصم، ولا ثوبا تلبسه إذا شئت، وتخلعه حينما تريد..
يؤسفني أيها الزميل الجديد أني لم أبلغ بعد ما أردت! إني مشفق عليك، وأخشى أن أفت في عضدك، فتخلد إلى أرض الخمول، وتبقى على الشاطئ نفاية بحر، وأنا الذي أريد أن تحلق في الأجواء البعيدة، وأن تركب الأمواج غير خائف.
ولقد عهدتك ذا قلب سليم، وعزيمة تفري، وغايات تريد بها وجه الله، فدعني إذن أكتب إليك ما تبقى من هذه الرسالة:
الحساب في الدنيا ليس كحساب الآخرة، حساب الآخرة {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}، {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}، {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} أما الدنيا فلها حسابات أخرى لم يكتبها رقيب عتيد، لا أريد أن أقدمها إليك، فسوف تراها رأي العين وتلمسها بالأصابع، ستطعمها فتذوقها مرة، وتشمها فتنشقها كريهة، وتسمعها فتصك الآذان.
لا تحزن أيها الزميل الجديد إن خفت بك الموازين في الدنيا وخفت بإخوانك المدرسين، وثقلت موازين ذوي الجهالة في بعض الميادين، وإذا رأيت الناس من حولك أسرعوا وقد أبطأت، فلا تقلب كفيك على ما أنفقت من سنوات طويلة وجهد جاهد في سبيل العلم، فعند الله الجزاء الأوفى! ثروتك في هذه الدنيا ما يضيء في رأسك وصدرك، وهذا المال الذي ما يكاد ينزل في جيبك حتى ينوي الرحيل.
اصبر! اصبر صبرا جميلا! اصبر كما صبر أولو العزم من المدرسين! طريقك وعر طويل، وزادك ذو غصة وقليل! فاستعن بالله وتوكل عليه، وإنه نعم المولى ونعم النصير.
عبد الرؤوف اللبدي