على الرغم من أنني أؤيد الهدنة التي اتفقت عليها الفصائل الفلسطينية فيما بينها، إلا أنني وبعد أن تمعنت قليلا في واقعنا المتردي وقضيتنا الأزلية اصطدمت بكثير من الحقائق التي يبدو أننا غيبناها عن أذهاننا حتى نلتقط أنفاسنا المتلاحقة قليلا.
فالحديث عن مهادنة هذه الفترة وإن كان يمثل في حد ذاته مكسبا سياسيا لو أُحسن إدارة دفة الإعلام إلا أنه يضعف كثيرا من نداء المطالبة بحقوقنا المشروعة التي كنا نطالب بها قبل تدفق دماء الانتفاضة الثانية في عروق رجالاتها.
فقد انحصر التفكير حاليا بشكل عجيب وأصبح متمسكا إلى أبعد حد بمبدأ "الرضا بالقليل"..وتركزت كل مطالبنا -حتى نوقف الجهاد- على الإفراج عن الأسرى ووقف الاغتيالات واقتحام المدن..ولتأمني يا دولة الكيان من نارنا دون إشعار آخر..وكأن أهداف المقاومة طوال الانتفاضة كانت تتطلع لنصر هزيل محدود يقضي بإعادة انتشار قوات الكيان الصهيوني في المناطق التي تم احتلالها عند انطلاق الانتفاضة.
كلنا يعلم أن الأغلبية الساحقة من الفلسطنيين في الداخل والخارج قد أيدت هذه الهدنة ثقة منها بقرار الفصائل الإسلامية ورغبة غريزية في إعادة الأمن والأمان لأطفالنا ونسائنا، وتوفير لقمة العيش الكريمة لهم بعد كل هذه المعاناة وذلك القهر اليومي الذي نتجرعه في فلسطين على مدار اليوم والساعة.
ولكن..هل يعني هذا بأن يخفت فينا نداء المطالبة بحقنا في الأرض وحرصنا على صون العرض..فحتى لو تحققت شروطنا لاستمرار الهدنة، ماذا سيكون مبرر الفصائل المعارضة لاتفاقية السقام لشن عمليات جديدة واستئناف النشاط العسكري حتى يتحقق الهدف الأدنى وهو تحرير الأرض من المغتصب وإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة وشرعية دولية؟
إن تخبطنا هذا -وعدم إدراكنا لخطورة تكريس مفهوم المهادنة على أفكار أبنائنا وقناعاتهم- كفيل بأن يضعف شوكة المقاومة ونداء الجهاد في ضمائرنا مستقبلا بمجرد الاستجابة لشروط الهدنة من قبل دولة الكيان، والعودة لمائدة المفاوضات ذات العمر المديد..فلا يخفى على الرائي تعطش الشارونات لمزيد من الدماء الفلسطينية. وليس القول بأن القائمين على الحكم -الأكثر تطرفا منذ النكبة- في الدولة العبرية حريصون على التهدئة وحقن الدماء أمرا منطقيا وواقعيا..وستثبت الأيام كم نحن واهمون.. وسيدير الكيان لعبة الإعلام بما يتماشى مع الإبقاء على صورته الضحية أمام الرأي العام..
ورغم هذا كله يرى المرء شيئا إيجابيا واحدا في أمر الهدنة -بغض النظر عن فرصة التقاط الأنفاس- وهو حرص الفصائل والقوى الوطنية والإسلامية على الإبقاء على وحدة الصف الداخلي، الأمر الذي يكيد العدو حيث لن يكون مسرورا بكل تأكيد على فشل مخططه التاريخي في سياسة "فرق تسد". سوى ذلك لا أرى في الهدنة على المدى البعيد -لو استمرت طبعا-ما يحقق تطلعات شعبنا الكبرى وأمله في التخلص من نير الاحتلال..وتبقى في الخلد أسئلة ملحة لا تجد من يجيب عليها؟
ماذا بعد الهدنة؟ ومن المنتفع منها؟ وهل فعلا ستتوقف الانتفاضة قبل دخول عامها الثالث؟ وهل سيكون النشاط السياسي للحركات الإسلامية أكثر جدوى من العسكري القابل للتجميد؟