قال تعالى ((وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً ))
أخي تأمل هذه الآية ، وتعالى معي لأهمس في أذنك لحظة تأمل ، نتفكر فيها سويًا تحت مجهر المصداقية ، وبعيداً عن وخز المجاملة ، فنحن نفتقد في هذا الزمن إلا قليلاً صراحة القول ، ومصداقية الصداقة :
أخي ،،،
لعلك يوماً ما مررت في طريق من الطرق الممهدة الوعرة ،، أرأيت كيف أحوالها ؟ نعم والله لقد خرجت يوماً في سيارتي مرتحلاً لأقضي مع أهلي بعض أيام الإجازة في مصايف وطننا الغالي الذي يحكم بشرع الله، ولله الحمد ، خرجت أتأمل المناظر يميناً وشمالاً لأن الله تعالى وتقدس يقول (( قل انظروا ماذا في السموات والأرض)) و يقول تعالي: (( أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج )) لقد سرت في سيارتي متأملاً خلق الله حتى أدهشتني الطرق المعبدة في تلك الجبال الشاهقة فيا لله ما أجل نعم الله على عباده ، وما ألطف فضله عليهم.
ففي الكون تسخير لطيف ، ورزق وافر ، وهو سبحانه رؤوف وكرمه واسع فسبحانه لم يكون الأكوان لتسديد سلطان ولا استعانة به على ضد مناوئ ولا ند مكاثر ولكن خلائق مربوبون وعباد داخرون .
نعم يا أخي سخر لنا خلائق عظيمة فعلم ربنا متقن وأمره محكم (( إن ربكم لرؤوف رحيم )) , أخي لقد كنت فرحاً بتلك الجبال الشاهقة وما أودع الله فيها من عظمة بالغة ودلائل باهرة وتذكرت قوله تعالى (( هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه )) ثم واصلت السير وأخذت طريقاً فرعياً في جبل شاهق فإذا هو خطير جد خطير خفت وترددت وتغلغل في داخلي القلق والتفكير خوفاً على أهلي ونفسي ،، ولكن
لفت نظري أمر أعجبني ،، ذلكم أن الطريق مع وعورته إلا أنه تحيط به اللوحات الإرشادية والتوجيهات المرورية ولكن هذا الأمر لم يدفعني إلى السير قدماً بل فكرت قليلاً فاستعنت بالله وتذكرت قول الله تعالى (( فإذا عزمت فتوكل على الله )).
أخي اللبيب :
هنا أقف معك ، وقفت متأملاً مشفق على نفسه وعليك ، أقف معك عسى أن ننتفع وننفع ، فرب عثار يورث استذكارا ، ورب إشارة أبلغ من عبارة ، فأحضر قلبك..فهذا طريق من طرق الدنيا، وعر سبيله، شاق سلوكه ، تخاف منه النفوس جبلة، وتوجل القلوب من عبورة، وترى سالكيه يعدون العدة، ويحسبون له ألف حساب من حذر وترقب وإرشادات، فكم في تلك الطرق من لوحات إرشادية ، فبالله يا أخي يسير المار فيه بمراكب فارهة في راحة ودعة ومع هذا يغشاهم من القلق ما يغشاهم , فلئن كان الأمر كذلك فتذكر أن هناك طريق وأي طريق طريق عظم وصفه، وجل أمره، طريق لم تره عين، ولم يخطر على قلب بشر، طريق لا يتخيله بال ولا يوصف بحال، طريق عبوره لازم، والسير عليه واقع، وخطره قادم.
طريق يسير عليه كل مسلم ومعهم المنافقون، ظلام لا نور فيه تركبه الأقدام بلا مراكب فارهة ولا طائرات محلقة ولا جواري ماخرة تسير فيه وحيدا،ً وتركبه فريدا،ً إنه ذلك الطريق الذي أقظ مضاجع الصالحين ، وأبكى عيون العارفين وأذاب قلوب المتقين وأحرق أكباد الخاشعين فيا له من طريق ما أفظعه ، ومن مرقى ما أصعبه، ذلكم يا أخي هو (( الصراط )) دحض مزلة ، يتمور ولا يثبت، أحد من السيف، وأدق من الشعر إذا جئ بجهنم (( تكاد تميز من الغيظ )) وهي تزفر بصوت عظيم يمزق القلوب في أحشائها وقد بلغت القلوب الحناجر إذا جئ بها تلقاء وجوه البشرية في منظر فظيع وموقف عصيب التهمت الكفار من الموقف فأصبحوا يتقلبون في مضائقها فحينئذ يصفى الموقف للموحدين ويضرب الصراط على متن الجحيم ويؤمرون بالعبور فوقه.
فلا تحتاج إلى مركب يسير بك أو طائرة تقلع أو قطار يحملك ..
إن المركب المهم أو الطائرة التي تقلك أو القطار الذي يحملك هو الإيمان والعمل الصالح فتأمل قوله تعالى(( وإن منكم إلا واردها )) .
كان عمر إذا قرأها بكى ثم ينادى يا رب أخبرتني أني واردها ولم تخبرني أني صادر عنها وعبد الله بن رواحة دخل على أهله يبكي حتى نشج من البكاء فجلس حوله أهله فبكوا لبكائه ولا يدرون لماذا يبكي فلما هدأ قال يا أهلاه ما يبكيكم قالوا لا ندري رأيناك تبكي فبكينا فما الذي أبكاك ؟ قال : أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار (( وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً )) فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود .
أخي في الله يا ليت شعري هذا حال الصالحون فكيف بحالنا ، فيا رب رحماك رحماك ،،،
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها *** إن السفينة لا تجري على اليبس