نحن مع غزة


السؤال الخامس لمسابقة البلعاوي  أرسلت بواسطة: البلعاوي       كوفي شوب واستراحة الخيمة الرمضانية  أرسلت بواسطة: البلعاوي       حـسـن خـطــك ( مهم للجميع ) !!  أرسلت بواسطة: محمد محمود صباح       لوحات *~*احاسيس انثى*~*  أرسلت بواسطة: البلعاوي       بيني وبين نبضك عذب الكلام وكل ما لم يقال ..  أرسلت بواسطة: البلعاوي       عندما تجلس وحدك وتسمع صوتك الداخلى يهمس  أرسلت بواسطة: عــــــلاء الثــــائـر       من اجمل القصص التى سمعتها فى حياتى  أرسلت بواسطة: عــــــلاء الثــــائـر       ماذا يقول لك ملك الموت وانت نائم؟؟  أرسلت بواسطة: عــــــلاء الثــــائـر       أيهما أفضل الحوراء أم المؤمنة في الدنيا ؟  أرسلت بواسطة: عــــــلاء الثــــائـر       ربطات عنق جميلة  أرسلت بواسطة: محمد محمود صباح       لماذا لايبكى الرجال  أرسلت بواسطة: محمد محمود صباح       سامحتك من غير علمك فسامحني!!!!!!!!!!!  أرسلت بواسطة: عــــــلاء الثــــائـر       مسجات رمضانية , رسائل رمضان 2008  أرسلت بواسطة: عــــــلاء الثــــائـر       فيديو عن شهداء قلعة الصمود والتحدي (( عـــلار )) ....  أرسلت بواسطة: صقرفلسطين      

  |  
كوفي شوب واستراحة الخيمة الرمضانية - آخر رد: البلعاوي
  |  
حصريآ اول كتاباتي ((انا ومن انا)) - آخر رد: سماا
  |  
::: تفسير جزء عم كاملا ::: هدية للم... - آخر رد: d@rk
  |  
سلسلة التفسير الميسر للقران الكريم ... - آخر رد: YOGENA
  |  
رهن اوراق - آخر رد: غروب
  |  
قوارب رمضانية - آخر رد: سوار الياسمين
  |  
ياسر عرفات لكل صورة حكاية - آخر رد: LeNoR
  |  
فنجان قهوتك علينا والحكايه منك على ... - آخر رد: غروب
  |  
تفضلوا ...رافقونا في زياره للقدس ال... - آخر رد: فراشة انا في زهرة فلسطين
  |  
:: مائدة الافطار اليومية :: - آخر رد: نور العيون
  |  
(( البطاقة الشخصية لسيّد البشرية..)... - آخر رد: فراشة انا في زهرة فلسطين
  |  
@ موسوعة الالف سؤال @ - آخر رد: عــــــلاء الثــــائـر

بشرى سارة....انطلاقا من حرصنا على دعم الاخوة و الاخوات الاعضاء و تحفيزهم اكاديميا فقد قررت ادارة الشبكة رفد الشبكة بكم كبير من الامتحانات و التعيينات السابقة لتكون عونا لكم...انتظرونا قريبا

التعليمات لوحة التحكم المشاركات جديدة فتح قائمة جهات الاتصال
 
العودة   ::منتديات طلاب جامعة القدس المفتوحة:: > الصالون الأدبي > لنرتشف من الفيض سويا ( اعمال شعراء المنتدى الكاملة) > شعراء المنتدى > ملتقى متشائل (ليون برونشتين)
 
 

اللاجئين


رد
 
LinkBack أدوات الموضوع إبحث في الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 02-12-2008, 01:04 AM
#11

متشائل

كبار الشخصيات

 
الصورة الرمزية متشائل

 
تاريخ التسجيل: Mar 2007
المشاركات: 1,966
Thanks: 746
Thanked 606 Times in 105 Posts
متشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of light


افتراضي


سعيد يلتجئ لأول مرة إلى الحواشي

حاشية: بعد أن دارت الأرض دورة كاملة أي في هذه الأيام، قرأت في صحفكم عن المذكرة التي قدمها وجهاء الخليل إلى الحاكم العسكري أن يبيح لهم استيراد الحمير من الضفة الشرقية، فقد ندرت. فسأل الصحفي: أين ذهبت حميركم? فضحكوا وأخبروه بأن جزاري تل أبيب أنفقوها في صنع النقانق. وحيث إنكم كنتم تؤكدون لنا، يا محترم، أن التاريخ حين يكرر واقعة، لا يعود على نفسه، بل تكون الواقعة الأولي مأساة حتى إذا تكررت كانت مهزلة، فإني أسألكم: أيهما المأساة? وأيهما المهزلة?
هل هي مأساة الحمير في وادي النسناس، التي ظلت أكثر من سنة سائبة: حمير من الطيرة، وحمير من الطنطورة، وحمير من عين غزال، وحمير من أجزم، وحمير من عين حوض وحمير من أم الزينات صينت من العقل، ومن لغط الإناث، فلم تهاجر، فنفقت دون أن يتحقق من لحمها الدسم غير المرحوم كيوورك، أم هي مهزلة النقانق الشهية، صنعة تل أبيب? أعلم، يا محترم، أنكم عنيدون فيما تستنبطونه من نتائج. ولكن، أليس صحيحًا أنه حيث يهاجر القوم، تبقي الحمير، وحيث يبقى القوم لا يجد الجزار ما ينقنقه سوى لحم الحمير? خذوا عني هذه الحكمة: كم من شعب أنقذته بهيمة من سكين جزار!
وفي أيامي الأولى، زعيم عمال في اتحاد عمال فلسطين، ولجت بيوتًا عربية مهجورة كثيرة في حيفا، من أبوابها المكسورة. فوجدت أقداح القهوة مصبوبة لم يجد أهل البيت وقتًا حتى يشربوها. وجمعت أثاث بيتي بعضه من هذا البيت، وبعضه من ذاك البيت، مما بقي من متاع لم تمتد إليه أيدي الذين سبقوني في الزعامة، الذين سبقتهم يد الحارس على الأملاك المتروكة، الذي سبقته أيدي وجهاء حيفا من زملاء وجهاء حيفا العرب، الذين لم يتركوا فيلاتهم إلاّ بعد أن أوصوهم بها خيرًا حتى يعودوا (بعد شهر على الأكثر)، فحفظوها في القاعات الشرقية التي أفردوها في فيلاتهم لتوكيد صداقة قديمة لا تفنى ولا تزول مثل خشب السنديان. فأصبحوا يتباهون بالسجاد العباسي (نسبة إلى شارع عباس في حيفا) كما تباهى أمثالهم في القدس بالسجاد القطموني (نسبة إلى حي القطمون في القدس). وصار الشيوعيون يسمون الحارس على الأملاك المتروكة بالحارس على الأملاك المنهوبة، فأخذنا نلعنهم علانية ونردد أقوالهم في سرائرنا.
فلما وقعت حرب الأيام الستة، التي جاءت بعد عملية قادش (المقدسة) مثلثة الرحمات ، التي جاءت بعد حرب الاستقلال، ورأيت أولاد القدس والخليل ورام الله ونابلس يبيعون صحون الزفاف بليرة، قلت: بليرة ولا بلاش! وأيقنت صحة استنباطكم، يا محترم، بأن التاريخ، حين يعيد نفسه، يعيدها متقدمًا أمامًا، من بلاشي إلى ليرة. إن الأمور، حقًا تتقدم. وانتهت الحاشية.
كيف لم يعُدْ سعيد أبو النحس تيْسًا

ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد. فقد رحت أتعجب من جهل العامل اليهودي باللغة العبرية حتى أقنعت نفسي بأن هذه الدولة ليست بنت معيشة. فلماذا لا أحفظ خط الرجعة?
فقلت: ما لي غير المحامي عصام الباذنجاني، صديق ابن العم الوزير الأردني، وأخيه الروح بالروح. وكان قد حول بيته الكبير في شارع عباس إلى صومعة ينفث منها اللهب على دولة الأدون سفسارشك كلما زاره صحفي أجنبي. حتى الشيوعيين، الذين اعتبرهم وزير الأقليات أخطر طابور خامس في عقر الدولة، اعتبرهم صديق ابن العم الوزير الأردني مارقين على العروبة وعلى دينها.
وكان لا يعترف بهما - بالدولة وبصحفها - فيرفض أن يقابل من رجال الصحافة سوى الأجانب. فلا تظهر تصريحاته إلاّ في التايمزين - تايمز لندن، وتايمز نيويورك، وفي أمهات الصحف في بلاد العرب، من النيل إلى بردي. ونحن، زعماء العمال في اتحاد عمال فلسطين، أخرجنا صفير التعجب، من شفاهنا المزمومة، على وقاحته القومية حين سمعنا أنه رفض تعليم ابنه في الجامعة العبرية في القدس، بل بعثه إلى كمبردج - إلى كمبردج! وعدنا نزم شفاهنا في صفير الدهشة.
فلما أرخي الليل سدوله، تسترت بها وطرقت بابه. فتوقفت قرقعة أحجار النرد. وفتح لي وهو يخشخش بالزهر. فمسيت عليه، فأدهشته الزيارة. فلما رأيت أحد زملائي، من زعماء اتحاد عمال فلسطين، عنده، وكان يلاعبه، وقد هم بالخروج حين دخلت، لم أخف دهشتي. فحياني وقال: جاري! فتنحنحت على سبيل الموافقة. وبقيت أتنحنح حتى خرج.
ولما انتهيت من تعداد ما لابن العم الوزير الأردني من مناقب، ولما انتهى الباذنجاني من التحسر على مصيري الأسود، ومن الوعد بالعفو عند المقدرة، سردت على مسامعه ما وقع في مغامرتي، وما وقع في رأسي من نتائج. فباركني، وقال: يفرجها!
ولكنه لم يفرجها.
فما أن وطئت قدماي عتبة النادي، في صباح اليوم التالي، حتى استدعاني يعقوب إلى غرفته. فإذا وراء مكتبه رجل ربعة، وضع فوق عينيه نظارة سوداء وأسدل الستائر. فقلت: هذا ضرير.
وأقبلت عليه، وأخذت يده في يدي مسلمًا قبل أن يمدها إليّ حتى لا أحرجه في عماه. فزجرني يعقوب، وصاح: تأدب! فوقفت متأدبًا.
فقال يعقوب: هذا رجل كبير، وجاء ليحادثك على انفراد، فلا تخف عنه شيئًا.
وتركنا لوحدنا.
فما أن أطبق علينا الباب حتى انتفض الرجل الكبير واقفًا، فلم يزدد طوله سوى شبر.
وصاح: إننا نعرف أين كنت أول أمس!
فقلت في نفسي: إذا لم يكن هذا ضريرًا فإنه أطرش. فاقتربت من أذنه وصحت: أردت أن أستنشق هواء البحر، ممنوع?
فلطمني، فلم يخطئ الهدف.
فقلت في نفسي: لا أطرش، ولا ضرير، بل هو رجل كبير حقًا. فتصاغرت له، وقلت: اسأل عني الأدون سفسارشك.
فصاح: أم أسعد!
فقلت في نفسي: حتى أنت، يا أم أسعد?
فصاح: (أخت). ولفظها ألمانية فصحى.
فقلت في نفسي: ما بقي إلاّ أن يسألني عن ليلتي السوداء في بيت الباذنجاني.
فصاح: النرد!
فارتميت على الكرسي، ووضعت رأسي بين راحتي وأنا أهتز يمينًا وشمالاً مثلما عودتنا الوالدة.
ثم وجدتني أقول فيما يشبه العويل: والله العظيم لا أعرف عن ابن عمي الوزير الأردني غير اسمه.
- هل هو ابن عمك لزما?
- والله العظيم لا.
- لماذا?
فتحيرت كيف أرد على سؤاله هذا. ولكنه كان قد هدأ، وقام إليّ، وربت على كتفي أبويًا. وقال: ليكن هذا درسًا لك. ولتعلم أنه لدينا وسائل حديثة نضبط بها حركاتك وسكناتك حتى ما تهمس به في أضغاث أحلامك. وبأجهزتنا الحديثة نعرف كل ما يدور في هذه الدولة وخارجها. فلا تعد إليها مرة ثانية.
ولكنني ظللت أهتز يمينًا وشمالاً لا يخرج من فمي غير: أنا تيس، أنا تيس!
حتى خرج بعد أن أنزل نظارته السوداء عن عينيه. فرحت أترحم بصوت عال على والدي، الذي كان أول من أدرك هذه الحقيقة عني.
فالله يستر عرضك يا أم أسعد، ويستر عرضك يا (أخت). ووالله العظيم أستطيع أن أذهب أنى شئت، وأستطيع أن أفكر بما شئت. ولكنني كنت تيسًا حين طرقت باب الباذنجاني. وكان والدي، رحمهُ الله، محقًا. كان دائمًا يغلبني في وقعة النرد، حتى إذا قلت له: أنت غلاب بها يا أبي، قال: لا يا بني، بل إن كل أصحابي يغلبونني. ولكنك تيس!
ولما قررت أن لا أبقى تيسًا، لم أخبر الرجل الكبير برأيي في جهازه الحديث.



__________________


:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
للفراغ ..

لأنه دوماً يجيب!!
::::::::::::::::::::::::::::::::::


عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]


متشائل غير متواجد حالياً   أرسل هذا الموضوع إلى صديق رد مع اقتباس

شكرك للكاتب يعني احترامك لذاتك

قديم 02-12-2008, 01:05 AM
#12

متشائل

كبار الشخصيات

 
الصورة الرمزية متشائل

 
تاريخ التسجيل: Mar 2007
المشاركات: 1,966
Thanks: 746
Thanked 606 Times in 105 Posts
متشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of light


افتراضي


هل كان سعيد هو رأس الخيش?

أصبح رأيي في جهازه مقررًا. فلو كان يستطيع، حقًا، أن يحصي عليَّ حركاتي وسكناتي لكان سجل على لقائي الغريب برجل الفضاء. ولكنه لم يفعل.
فقررت أن أطمئن إلى هذا الأمر، فأزور صاحبي الفضائي في دياميس عكا، فقد يحتاج إلى الحذر. وإني لمحتاج إليه.
فبالغت في الخضوع لرؤسائي طول الأسبوع وقد قر قراري أن أفعلها وأن أتسلل إلى عكا يوم السبت.. وهو يوم عطلتنا.
وكان السبت، الذي وقع عليه الاختيار، هو اليوم الحادي عشر من آخر شهر في سنة 1948 ذات الكف العفريتية. فأنا لا أنسى هذا التاريخ الذي أصبحت، فيما بعد، أؤرخ به حياتي - ما قبل وما بعد.
في مساء الجمعة، عشية السبت، كنت منزويًا في داري، أجمع شتات أفكاري على أسلم طريق أختاره في تسللي إلى عكا صبيحة الغد.
وكنت أطفأت النور وآويت إلى الفراش مبكرا حتى لا تزورني جارتنا الأرمنية العانس التي ما كانت تطيب لي إلا حين نشرب حتى نثمل - أنا حتى أحسبها صغيرتي ( يعاد)، وهي حتى تحسبني كبيرها سركيس (الذي ذهب مع العرب).
وكان من عادتها أن تنشط نشوتها بالتمتمة باللغة الإنجليزية عن كلارك جيبل وشارل بواييه وأشباههما.. فلبستني آفتها. فصرت أتمتم، مثلها، بما يقال وبما لا يقال، حتى إني لعنت، في اليوم السابق، الباذنجان وكل من يستطيبه. فقامت غاضبة دفاعًا عن الباذنجان المحشو بالبرغل وباللحم. فاحتبست. لذلك قررت، من باب اليقظة، ألاّ أفتح لها الليلة الباب.
وأنا في هذه الهواجس ومثلها، إذا بطرق على الباب. قلت: جاءت، ولكنني لن أفتح لها، ولن أعتذر عما بدر مني في حق الباذنجان. فعاد الطارق يطرق. فراودتني النفس الأمارة. فقلت: هل أفتح لها ولا أتمتم? فعاد الطرق على الباب. فقمت وأنا أقول: لن يكون الجهاز يحكي بالأرمنية. وهذه مسكينة وأنا مسكين. وفتحت الباب.
فإذا أمامي امرأة وسط، ذابلة السحنة وخضراء العينين، تسألني في استحياء ورجفة: سعيد?
فأخذتني المفاجأة، فانعقد لساني، وأنا أنظر في عينيها الخضراوين وأطلب من نفسي ملحًا أن أتذكر هذا الوجه الذابل. لا بد أنها من قريباتي في القرية، أو جاءت من وراء الخطوط. فما جاء بها في هذه الليلة الليلاء?
قلت همسًا: تفضلي. وانتابتني المخاوف.
قالت: أختي (يعاد) تحت. فهل تصعد?
فبدأت أشك فيما أرى وفيما أسمع. لقد كنت، حين تلح الحاجة عليّ ويستفرغني الفراغ، أقعد مفتوح العينين، أو أمشي مفتوح العينين، فلا أرى سوى (يعاد)، فأقبض بيدي على يدها، ثم أضمها إلى صدري، فنروح في غيبوبة لم أقم منها مرة، وأنا في مكتبي في اتحاد عمال فلسطين، إلاّ على أبي مصطفي الأعرج وهو ينقض علىّ بعصاه لأنني تركته ينتظر خارج المكتب نصف نهار، بعد أن قلت له أن ينتظرني ربع ساعة، فألقاني في غيبوبة أخرى.
- هل حقًا أنت أخت (يعاد)?
- فهل تصعد?
- (يعاد)، (يعاد).
- عد! لا يصح أن تنزل إليها بثيابك الداخلية. عد والبس ثيابك، فأنا أناديها.
ففعلت ما نصحتني أخت (يعاد) بأن أفعله. ورحت أتراكض بين الغرف وأنا ألبس ثيابي، تارة، وألقي في المرحاض بما احتوته منافض السجائر من بقايا أعقابها الملوثة بأحمر شفاهٍ، أخرى. فلما سحبت حبل ماء الشطف فلم ينهمر، ملأت دلوا وألقيته فيه، فانسكب الماء على الأرض، فانسحبت عليه، فوقعت على يدي وركبتي أمام الباب المفتوح، فإذا أنا، على هذه الحال، أمام قدمي (يعاد) بعد طول الغيبة.
فقالت: جازاك!
فانتصبت واقفا والماءان يتصببان من وجهي، ماء الوجه وماء المرحاض. فتهالكت على أقرب مقعد ورحت أبكي. فتراكضت (يعاد) وأختها نحوي، وجففتا الماء ودموعي، وطمأنتاني على أن كل شيء يصلح.
فأي شيء هذا الذي يجب أن أصلحه?
فقالت (يعاد) معاتبة: أنت تعرف يا سعيد، سامحك الله، ما فعلت بأبي وبالآخرين.
ولكنني، سامحني الله، لم أفهم شيئا.
فقالت أخت (يعاد) إن (يعاد) جاءت اليوم من الناصرة، مشيًا على الأقدام، عبر شفا عمرو، فأبطن، فوق الجبال وحيدة، لتخبر أختها في حيفا بأن والدهما قد ألقوا القبض عليه في الناصرة، وبأنني أنا، سعيدًا، السبب في القبض عليه، وبأنني أرشدتهم إليه.
- أنا?
فقالت (يعاد): كلهم يقول أنت. أنت رأس الخيش?
- أنا?
- وأبوك من قبلك?
ومن خلال العتاب، المشبع بالنحيب وبأيماني المغلظة أنني لا يمكن أن أخرب بيت أحد من الناس، فكيف ببيت (يعاد)، فهمت أن أبا (يعاد) كان قد هاجر مع عائلته من حيفا. إلى الناصرة، وذلك بعد لغم الرفينري الأول. فلما سقطت عاصمة الجليل دعا الجيش الأهالي إلى تسليم أسلحتهم. فلما أبلغهم رئيس البلدية أن لا سلاح في الناصرة سوى طاولات شيش البيش التي انكبوا عليها في الساعات التي رفع فيها منع التجول، بدأت عمليات التطويق.
فطوقوا الحارة الشرقية، التي التجأت إليها العائلة. وحشروا الرجال في الأرض الخلاء عند الجابية، وراء كنيسة الأقباط، طول النهار في الحر الأوار وبدون ماء، مع أن الجابية كانت تفيض تحت أقدامهم ماء مقدسة من عين العذراء المقدسة.
وقالت (يعاد) متباهية إنها هي التي ذكرت الشيوعيين ببيت الشعر الذي جعلوه عنوان نشرتهم والتي وزعوها في أثناء التطويق:
كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول

فاستدعاهم الحاكم العسكري. فلما أنكر أن يكون الجيش قد منع جمال الحارة ودوابها عن ماء الجابية يوم التطويق، حاولوا أن يفهموه أن الأمر تورية. فثارت ثائرته دفاعًا عن كرامة بني الإنسان الذين لا يصح تشبيههم بالدواب، حتى ولو كانوا أعداءنا العرب. (لقد أصبحتم مواطنين، مثلكم مثلنا). وطردهم من حضرته.
وكان الجيش، أثناء التطويق، قد نحَّى جانبًا كل من أرشد إليه رأس الخيش، ثم نقلهم إلى سجن الجملة، على اعتبار أنهم أسري حرب. وكان من بينهم والد (يعاد).
- فما رأس الخيش هذا?
قالت (يعاد): رجل أخفوا رأسه بعديلة خيش، ثقبوا فيها ثلاثة ثقوب، لعينيه ولفمه. وأقعدوه وراء طاولة تحوطها عسكر. وكان رجالنا يمرون أمامها فيتحققونهم. فإذا اهتز رأس الخيش إلى أمام مرتين، نحوا الرجل عن بقية الرجال. فأخذوا، في التطويق الواحد، ما لا يقل عن خمسمائة رجل وولد، أسرى حرب.
فلماذا فعلتها يا سعيد?



__________________


:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
للفراغ ..

لأنه دوماً يجيب!!
::::::::::::::::::::::::::::::::::


عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]


متشائل غير متواجد حالياً   أرسل هذا الموضوع إلى صديق رد مع اقتباس
قديم 02-12-2008, 01:07 AM
#13

متشائل

كبار الشخصيات

 
الصورة الرمزية متشائل

 
تاريخ التسجيل: Mar 2007
المشاركات: 1,966
Thanks: 746
Thanked 606 Times in 105 Posts
متشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of light


افتراضي


الليلة الأولي، وحيدًا، مع (يعاد)

لقد أقنعت (يعاد) وأختها بأنني لم أكن رأس الخيش. ولكني أصبحت، منذ تلك الليلة خرقة الخيش!
كانت (يعاد) جاءت من الناصرة إلى حيفا دون إذن من السلطة. فهي متسللة. وكانوا يدخلون البيوت، من أبوابها في كل لحظة، بحثًا عن هؤلاء المتسللين. فإذا وجدوهم نقلوهم في ظلام الليل إلى مشارف جنين، في السهل الواقع بينها وبين قرية المقيبلة الذي كان الجيش البريطاني معسكرًا فيه. فلما انجلى عنه خلف لنا فيه ألغامًا كثيرة أضاف إليها عساكر العرب وعساكر اليهود ألغامًا أخرى، وذلك لأن خط المواجهة الأول كان يقوم هناك. فلما وضعت الحرب أوزارها على صدورنا، انفجر أحدها تحت أقدام أولاد صندلة وهم عائدون إلى أمهاتهم من المدرسة. فقتل على الطريق 17 منهم كما جاء في البيان الرسمي، غير الجرحى الذين ماتوا فيما بعد. وفي حينه جمعنا يعقوب وألقى على مسامعنا محاضرة عن الشيوعيين أعداء السامية، الذين يحرضون الناس على الإضراب والتظاهر مدعين أن اللغم هو لغم إسرائيلي.
وقال: بما أن جمعيتنا، اتحاد عمال فلسطين، هي منظمة دمقراطية، في دولة ديمقراطية، فأنتم أحرار في أن تعلنوا أن اللغم هو من بقايا الإنجليز، أو أن اللغم هو من بقايا العرب.
فلما تنطح له زميلنا الشلفاوي (كان مشلول اليد اليمني) وقال إنه قرأ في بيان الشيوعيين أنهم يتهمون الحكومة بالإهمال في تنظيف الطريق من ألغام الحرب، أجابه يعقوب: نعلم أن زوج أختك هو واحد منهم!
فانشل لسان الشلفاوي.
ولذلك اتفقنا على أن بيت أخت (يعاد)، التي لم تترك بيتها وأولادها في الحليصة منتظرة عودة زوجها الذي خرج ذات صباح وهو يقول لها: انتظريني فإنني عائد، ولكنه لم يعد، هو بيت لا مأمن فيه على أختها المتسللة.
واتفقنا، وأنا خافض البصر، أن تبيت (يعاد)، الليلة، في بيتي حيث أفردت لها غرفة خاصة وأنا خائف أن تسمعا خفقان قلبي.
وحلفتني أخت (يعاد) بعرض أختي أن أصون عرضها.
- وهي لك، إذا شئت، فيما بعد، شرعا.
وودعتنا وانصرفت وأنا مبهور الأنفاس وقد تشابك في ذهني عرض أختي الضائع و(يعاد) التي لقيتها فجأة، والتي دخلت إلى غرفتها وأقفلت عليها الباب وأخذت تبكي وتنشج بصوت مسموع، وأنا مستلق على فراشي أمام بابها لا أنام ولا أقوم. لا هي تكف عن البكاء، ولا أنا أكف عن الاستلقاء، حتى سمعتها تنادي:
- سعيد!
فتظاهرت بأنني نائم.
- سعيد!
فحبست نفسي.
فإذا هي تفتح الباب بيننا. فأغمضت عيني. فشعرت بأنها تسوي اللحاف فوقي. ثم سمعت وقع خطواتها وهي تسير الهوينا نحو دورة المياه، ثم تغتسل، ثم تعود من حيث جاءت. وتترك الباب بيننا مفتوحًا فتحًا خفيفًا.
فكيف أقوم الآن?!
ستعلم، حينئذ، أنني مستيقظ. فكيف لم أرد على ندائها? إنها حبي الأول. وبعد هذه الليلة أصبحت حبي الأبدي. (فكيف تركتها تبيت في بيتي، وحيدين، ولم أقل لها كلمة واحدة? قبلة واحدة? هل أنا جبان? فكيف لم أجبن أمام صاحبة سركيس?
فماذا أفعل الآن? وإلى متى أظل مستلقيًا? ولكنني لم أستلق طويلاً.
يا سعيد، لا يهمّك، فإنّني عائدة!

كان المتسلل الأبدي، الفجر، يدهمني من النافذة الشرقية، وكنت راقدًا أحبس أنفاسي، مثلما يحبسها ولد طلع الفجر عليه وقد بلل فراشه فينتظر عجيبة تنقذه من مصيبة، فإذا طرق شديد على الباب نفضني فألقاني في غرفة (يعاد) التي كانت واقفة وقد ارتدت جميع ثيابها، وهي ترتجف جزعًا.
قالت: هل جاؤوا?
قلت: لست أدري.
- فمن الطارق?
- لست أدري.
- أغلق الباب علي، ولا تخبرهم بوجودي هنا، بعرضك!
واشتد طرق الطارق. وسمعنا لغطًا.
فهمست: يا حياتي.
فهمست: ليس الآن، ليس الآن.
- أنت لي.
- فيما بعد، فيما بعد.
- بل الآن، الآن.
فابتعدت عني، فتشبثت بها، ففرت إلى غرفتي، فوقعنا على السرير، فسمعنا الباب الخارجي ينخلع. فانخلع ضلعي الشمال. فأغلقت الباب عليها، ووقفت أمامهم في ثياب النوم.
لقد كانوا عساكر.
- تفتيش!
- لماذا خلعتم الباب?
فأزاحني أحدهم من أمامه. فانتشروا في البيت ينبشون الدواليب ويقلبون الأدراج.
- هل أنت وحدك هنا?
- وحدي.
وكنت، في هذه الأثناء، قد لبست بنطلوني وقميصي ووقفت مستحكمًا أمام باب الغرفة التي اختبأت فيها (يعاد). واستللت بطاقة تدل على نسبي إلى اتحاد عمال فلسطين، واستعذت بالأدون سفسارشك، فكفوا عن النبش والكش.
إلاّ أن الذي بدا رئيسًا عليهم شك في أمر الغرفة التي وقفت أمام بابها المغلق. فأزاحني عنه ليفتحه.. فتسمرت في مكاني. فصاح: افتح! فقلت: لا شيء هناك. فثار غضبه وتقدم نحو الباب. فمددت ذراعي على طولها وقد قررت أن أستشهد. فنظر وراءه إلى جماعته وضحك. فلم يضحكوا. فأمرهم أن ينقضوا عليّ. فترددوا. فزعق. فانقضوا دفعة واحدة. وجرجروني حتى أخرجوني خارجًا. ثم دحلوني على الدرجات من الطابق الثالث. فظلت الأيدي تتقاذفني وأنا مدحول حتى وجدتني في فناء الدرج تحت أقدام يعقوب ويدي متشبثة ببطاقة اتحاد عمال فلسطين، وأنا أمدها، متمددًا، نحو عينيه، فلا تبلغهما.
فصاح: إنني أعرف من أنت، يا حمار. قم وأخبرني بما حدث!
ولكنني لم أفعل.
فقد سمعنا، من فوق، صراخًا أنثويًا، وصوت لطمات، وركل، وجلبة. وتطلعنا إلى فوق فإذا بمعركة حامية تدور بين (يعاد) وبضعة عساكر، كانوا يقذفون بها على الدرج إلى أسفل. ووقف عساكر آخرون وهم يحاولون ألاّ يروا ما يحدث. وهي تقاوم وتصرخ وتركل بقدميها. وعضت كتف أحدهم فصاح من الألم وولى بعيدًا. وظلوا يدفعونها وهي تقاومهم وتركلهم حتى ألقوا بها في فناء الدرج، فهبطت على قدميها منتصبة القامة ورأسها في السماء.
وقال أحدهم وهو يلهث: متسللة. فصرخت: هذه بلدي، داري، وهذا زوجي.
فلفظ يعقوب شتيمة ذات خمسة أحرف.
فنسبتها إلى أمه.
فتكاثروا عليها. ودفعوها أمامهم إلى سيارة كانت امتلأت بالخلق من أمثالها، وذهبوا.
وسمعتها، والسيارة تتحرك، تنادي بأعلى صوتها: سعيد،
يا سعيد، لا يهمك، فإنني عائدة!
وكنت، بعد، متمددًا.



__________________


:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
للفراغ ..

لأنه دوماً يجيب!!
::::::::::::::::::::::::::::::::::


عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]


متشائل غير متواجد حالياً   أرسل هذا الموضوع إلى صديق رد مع اقتباس
قديم 02-12-2008, 01:07 AM
#14

متشائل

كبار الشخصيات

 
الصورة الرمزية متشائل

 
تاريخ التسجيل: Mar 2007
المشاركات: 1,966
Thanks: 746
Thanked 606 Times in 105 Posts
متشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of light


افتراضي


الجرح المفتوح

وبقيت عشرين عامًا أنتظر عودتها. فقد أخذوها مع غيرها من المتسللين إلى حيفا، من الناصرة ومن المجيدل ومن يافة ومن معلول ومن شفا عمرو ومن عبلين ومن طمرة، وكل عامل تسلل إلى حيفا ليطعم عياله، وألقوا بها في سهل جنين بين ألغام الإنجليز والعرب واليهود.
وبعضهم اختبأ بين الخرائب، وبين الأعواد، ولم يصل إلى الخطوط الأردنية. بل انتظر حتى أعتمت ونام النهار، فعاد أدراجه. فعادوا وطردوه. فعاد. فعادوا وطردوه. فعاد، حتى يومنا هذا.
وبعضهم ظل يمشي حتى تلقاه العسكر الأردني بالشتائم. فظل يُشتم حتى يومنا هذا.
وكانت (يعاد) بين الذين لم يعودوا. وواحد من المتسللين العائدين وضع في يدي، خلسة، ورقة. فإذا هي رسالة منها لم أقرأها إلا بعد أن وثقت من خلو المكان من الجهاز. وهي الورقة السرية الوحيدة التي احتفظت بها طول هذه الأعوام العشرين لكي أقنع نفسي بأنني قادر على تحدي الجهاز، ولأنني اعتبرتها عقد زواج.
كتبت (يعاد):
أرجو ممن يجد هذه الرسالة أن يوصلها إلى زوجي سعيد أبي النحس المتشائل، وادي النسناس - حيفا.
سعيد، يا زوجي!
الوداع يا حبيبي. إنني أنتظر الموت عبر الحدود. ولكنني أموت وأنا مطمئنة على أنك ستنقذ والدي من السجن. سلم على أختي، واعتن بأولادها. الوداع، الوداع يا حبيبي.
زوجتك (يعاد)
وعلمت أنها لم تمت. فقررت أن لي زوجة في جنين، أو في مخيم لاجئين. فأخذت أهتم بجمع الشمل.
وكنت حريصًا على الاستماع إلى رسائل المغتربين إلى ذويهم من إذاعة عمان. ولكنني لم أقو، أبدًا، على توجيه تحية إليها في برنامج (سلام وتحية) الإسرائيلي وكان يستهل بأغنية فريد الأطرش: (أحبابنا يا عين، ما هم معانا. رحنا وراحوا عنا، ما حدش منا استنى. عيني يا عيني). فأمسح الدموع عن عيني في غفلة الجهاز، حتى لم تبق إذاعة عربية إلاّ أذاعت مثل هذا البرنامج. هذه تبدؤه (راجعون، راجعون)، وتلك: (وسلامي لكم، يا أهل الأرض المحتلة، يا منزرعين بمنازلكم، قلبي معكم وسلامي لكم) وأخرى: (يا مرسال المراسيل عالدرب القريبة. خذ لي بدربك هالمنديل واعطيه لحبيبي)، حتى اختلط الحابل بالنابل، فضاعت (يعاد) كليًا.
فلما وقعت حرب الأيام الستة، وصار مرسال المراسيل يهتف: (نصر من الله وفتح قريب)، لم أعد أبكي على (يعاد) بل على حالي، وبدون أي خوف من الجهاز لأن الجميع تجهز.
ذلك أن يعقوب رثي لحالي. فلحقني إلى الساحة التي حشرونا فيها، في الزاوية بين شارع الجبل وشارع العباس، فأخرجني قبل أن يبدأ الفرز، وقبل أن ألتقي رأس الخيش. ولما حكيت له ما جرى لي مع (يعاد)، لامني على أنني لم أخبر العسكر بالحقيقة من اللحظة الأولي. ووعدني أن يتدبر الأمر مع أولي الأمر وأن يجدوا (يعاد) (حتى ولو كانت في قطر)، وأن يعيدوها إلىّ.
- بشرط واحد يا سعيد. وهو أن تكون ولدًا طيبًا.
- حاضر.
- وأن تخدمنا بأمانة.
- حاضر.
وكل ذلك حرصًا على مستقبل (يعاد) المسكينة، التي وعد أن يعيدها إليّ.
وقال: بالطبع، سيطول الأمر بعض الوقت.
ولكنه طال طول الوقت.
وفي كل انتخابات جرت في هذه البلاد كان يقنعني بأنه، حال الانتهاء من فرز الأصوات، سيأخذني إلى بوابة مندلباوم لاستقبال (يعاد).
- فهات همتك!
فكنت لا أنام ولا أهدأ وأنا ألاحق الشيوعيين، وأحرض عليهم، وأنظم الاعتداء علىهم، وأشهد ضدهم، وأندس في صفوف تظاهراتهم، فأقلب صناديق القمامة في طريق التظاهرة، وأهتف بسقوط الدولة، لتبرير اعتداء الشرطة عليهم، وأوسوس في آذان الشيوخ أنهم مزقوا القرآن الكريم في الأعظمية، وأجلس على صندوق الاقتراع من السادسة صباحًا حتى منتصف الليل، ولا أنال أجرًا على هذه المهمة سوى إحياء الوعد بعودة (يعاد).
أما بقية زملائي، في المهمة، فكانوا يترقون في المناصب المخصصة لنا. فالشلفاوي صار عضو كنيست. ونظمي الشاويش أصبح شاويشًا. وعبد الفتاح داهن زقمه صار مدير مدرسة، وزوجه مديرة مدرسة، وابنته معلمة، مع أن ابنه وقع في أيدي الشيوعيين فبعثوه يتعلم الطب في موسكو.
ما بقي بدون أجر غيري وغير يعقوب، الذي أصبحت أنا أجره. فلما دمجوا اتحاد عمال فلسطين في الهستدروت عينوه موظفًا في الدائرة العربية، وأنا تحت يده.
ولم تنقذني الهمة التي أبديتها في الخدمة من غضب يعقوب، الذي لم تنقذه من غضب الرجل الكبير، ذي القامة القصيرة، وهو الذي يضع على عينيه نظارة سوداء في الغرفة المعتمة المسدلة الستائر. فما أن تظهر نتيجة انتخابات حتى يستصحبني هائجًا مائجًا.
- راحت (يعاد) عليك. كيف سمحت للشيوعيين بأن ينالوا كل هذه الأصوات?
- أنا?
- يا ألله! خيرها بغيرها.
وعلى الرغم من كل أفعالي ظللت أشعر براحة الضمير، أنني أنشد التقاء (يعاد)، حتى تزوجت فصار السر الذي بيني وبين يعقوب، أن نعيد (يعاد)، يؤرقني كما لو أنه الخيانة الزوجية.
فأخذ يعقوب يضغط بكل ثقله على هذا الجرح..


__________________


:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
للفراغ ..

لأنه دوماً يجيب!!
::::::::::::::::::::::::::::::::::


عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]


متشائل غير متواجد حالياً   أرسل هذا الموضوع إلى صديق رد مع اقتباس
قديم 02-12-2008, 01:08 AM
#15

متشائل

كبار الشخصيات

 
الصورة الرمزية متشائل

 
تاريخ التسجيل: Mar 2007
المشاركات: 1,966
Thanks: 746
Thanked 606 Times in 105 Posts
متشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of light


افتراضي


الكتاب الثاني باقية

صدرت في أواخر 1972

كيف اضطر سعيد إلى الإمساك عن الكتابة لأسباب أمنية

كتب إليّ سعيد أبو النحس المتشائل، قال: سلام عليك ورحمة الله وبركاته.
أما بعد، فأمسكت عن الكتابة إليك زمنًا شحيحًا لأسباب أمنية، أمني، هذه المرة. لا أمن الدولة، وأمن إخوتي الفضائيين الذين أقيم في كنفهم، في دياميس عكا، آمنًا غير مطمئن.
فلما جعلت حكومتكم ترمم الدياميس وتقيم جدرانها، وتضيئها بالكهرباء، وتكشف عن باحاتها، وعن زخارفها، وتزخرفها، جعلنا ننسحب إلى الدياميس غير المنظورة. لا نتوقف في مكان واحد، ولا نخلو إلى أنفسنا لحظة واحدة، كقولك: اضرب واهرب، كل واهرب، اكتب واهرب، وهذا غير متيسر.
حتى أدبر الصيف، وخفت الرجل، وانقطع اللغط سوى من دعاء ضفدع ومن نجوى صرصار.
فدعاني أخي الفضائي فقال: هلم نخرج إلى البحر.
فخرجنا. فاقتعدنا صخرة بعلبكية ملساء، على هودج في السور إلى يسار المنارة. وأرسلنا خيوطنا نصطاد سمكًا.
وكنا في شهر أكتوبر. والنسمة شرقية دافئة. والبحر رائق المزاج تتناثر أضواء النجوم على صفحته الهادئة. ونظرنا أمامنا فإذا حيفا المتوهجة أصبحت حيفاءين: حيفا المتكئة على مسند الكرمل، وحيفا المستحمة في البحر، متجردة من أقراطها وعقودها وخواتمها.
فأرى إلى البحر الجبار، وقد هدأ، كيف يبدو أشد جبروتًا. فالجبار المطمئن أشد جبروتًا. والبحر الهادئ هو الجبار المطمئن.
وكم من روح مضطربة، مثل روحي، التجأت إلى البحر تستمد منه هذا الاطمئنان.
فلما تكاثرت ليالي حزيران على العرب، تكاثر صيادو السمك الهواة منهم. فقيل: يهربون من هموم أزواجهم.
وكانوا، بالحق، يبحثون في البحر عما يقنعهم بأن ثمة ما هو أقوى من دولتنا.
ورب ليلة دهمتهم الشرطة فيها، وهم قيام على صخور الشاطئ في نهاريا، حيث يبلغ البحر بالوعاتها، فيخصب بأشتات السمك، وقد استخفهم اطمئنان البحر، فاستخفوا بأسئلة العسس، فباتوا بقية ليلتهم في سجن.
أما أنا فحملتني هذه الهواية سرًا عجيبًا أصبح هويتي. ولولا لجوئي إلى إخوتي الفضائيين، في دياميس عكا، حيث لا ينالني شركم، لحملته معي إلى القبر.
فأتذكر سري، وأقول: إن في هذه الجهات لسرًا عجيبًا! فيجيبني صاحبي الفضائي: سبقك إلى هذا القول ابن جبير الرحالة . وكان قعد على هذا الشاطئ مترقبًا هدوء البحر ليفر من عكا، التي مومسها الروم. فكتب يقول:
(وفي مهب الريح، بهذه الجهات، سر عجيب. وذلك أن الريح الشرقية لا تهب فيها إلاّ في فصلي الربيع والخريف. والسفر لا يكون إلاّ فيهما. والتجار لا ينزلون إلى عكّا بالبضائع إلاّ في هذين الفصلين.. والسفر في الفصل الربيعي من نصف أبريل. وفيه تتحرك الريح الشرقية وتطول مدتها إلى آخر شهر مايه، وأكثر وأقل بحسب ما يقضي الله تعالي به. والسفر في الفصل الخريفي من نصف أكتوبر. وفيه تتحرك الريح الشرقية. ومدتها أقصر من المدة الربيعية. وإنما هي عندهم خلسة من الزمان قد تكون خمسة عشر يومًا وأكثر وأقل. وما سوى ذلك من الزمان فالرياح فيه تختلف. والريح الغربية أكثرها دوامًا. فالمسافرون إلى المغرب وإلى صقيلية وإلى بلاد الروم ينتظرون هذه الريح الشرقية في هذين الفصلين انتظار وعد صادق. فسبحان المبدع في حكمته، المعجز في قدرته، لا إله سواه).
فأسبح بحمده. وأذكر أنه في هذه الخلسة من الزمان، من كل عام، يخرج صيادو عكا العرب إلى عرض البحر بمراكبهم الصغيرة ليصطادوا سمك البلاميدا الكبير، جرا. وهو سمكُ أجنبي لا تحسن العربيات طهوه.
فيقول صاحبي: هذا البحر يهدأ في الربيع وفي الخريف. وهما أحسن الفصول في بلادكم الحسناء حتى تكاثر العشاق عليها، طبقات طبقات، فلم يبق من العلوم ما يصلح لدراسة تاريخها سوى الأرخيولوجيا في استقراء آثارها الدارسة.
فأقول: في الربيع التقيت الطنطورية. وفي الخريف ضيعت ابنها. وحياتي بينهما خلسة من الزمان.
الشَّبه الفريد بين كنديد وسعيد

فينتبه صاحبي الفضائي على أزيز طائرات نفاثة تروح وتغدو فوق البحر، شمالاً إلى رأس الناقورة ثم تغدو فتختفي وراء الجبل فأحسب أن سمكة مذعورة شدت في خيطه. فأشد في خيطي شدًا خفيفًا. فيهدئ من روعي، ويقول: تذكرت ما أتاني من تقول أصحاب صاحبك على ما نشره من رسالتك الأولي إلىه وقولهم: احتفز الأستاذ ليشب فوقع دون كنديد إلى الوراء مئتي عام! فأقول:
ما شأنه وهو رسول? فما على الرسول إلاّ البلاغ!
فيقول:
كنديد متفائل، أما أنت فمتشائل.
فأقول:
هذه نعمة خص بها قومي من دون بقية الأقوام.
فيقول:
إن في الأمر لمحاكاة.
فأقول:
لا تلمني، بل لُم هذه الحياة التي لم تتبدل، منذ ذلك الحين، سوى أن (الدورادو) قد ظهرت فعلاً على هذا الكوكب.
فيقول:
أفصح.
فأفصح بالمقارنة بيننا وبين كنديد كما يلي بالتمام وبالكمال، لا أسقط سوى ما تكرر، عامًا عامًا، على مدى ربع القرن، وأقول:
ألم يعز بنغلوس نساء (الآبار) على ما فعله بهن عسكر (البلغار)، من اغتصاب ومن بقر بطون ومن قطع رؤوس ومن هدم قصور، بقوله:
(غير أنه انتقم لنا. فقد أصاب الآبار بمثل ذلك السوء بارونية مجاورة يملكها سنيور بلغاري)?
فبمثل هذه التعزية تعزينا نحن، بعد مئتي عام. وذلك في أيلول من عام 1972 يوم أن قتل رياضيونا في ميونيخ. ألم ينتقم لنا طيراننا الحربي بقتل النساء والأطفال، المبتدئين في رياضة الحياة في مخيمات اللاجئين في سوريا ولبنان، فتعزينا?
وفي اليوم التاسع والعشرين من الشهر الذي جاء بعد أيلول، في أكتوبر الخلسة، ولما عادت طائراتنا من ضرب مخيمات اللاجئين في سوريا ضربًا موفقًا، ألم يجتمع الوزير بنغلوس بأرامل رياضيينا المغدورين ويعزيهم بأن طائراتنا أصابت الهدف إصابات محكمة وفعلت فعلاً عظيمًا?
وحتى لما كانت هذه الدولة لا تزال تحبو، وتطلع على العالم بريئة براءة الأطفال، في أوائل تموز من عام 1950 ألم يردد كاتبنا المشهور جون كمحي، في (جروسليم بوست)، حكمة بنغلوس هذا فكتب:
(لقد شن العرب حربًا دامية على اليهود. فهزموا في هذه الحرب. فلا يحق لهم، إذن، أن يتذمروا حين يطلب منهم دفع ثمن الهزيمة التي نزلت بهم)?
وكنديد، (يعن له، في يوم من أيام الربيع، أن يتنزه وأن يمضي قدمًا معتقدًا أن استخدام الإنسان لساقيه، كما يروقه، هو امتياز للنوع البشري، كما هو امتياز للنوع الحيواني. ولم يكد يسير فرسخين حتى أدركه أربعة أبطال طول الواحد منهم ست أقدام. فأوثقوه. وأتوا به إلى سجن مظلم).
فلما استخدم هذا الامتياز البشري، والحيواني، بضعة أولاد من قرية الطيبة، يتراوحون في العمر بين تسع سنين واثنتي عشرة سنة، فمضوا قدمًا إلى مدينة نتانيا ليروا البحر بالعيون بعد أن سمعوا هدير موجه بالآذان. ألقي القبض عليهم. فاقتيدوا إلى محكمة عسكرية. فأوقع حاكم المحكمة العسكرية على هؤلاء الأولاد عقوبة الغرامة. فمن عجز عنها فبما يملكه حتى الطفل، وهو الحياة، شهرًا في السجن. ولما عجز أحد الأولاد عن دفع الغرامة، فافتداه والده بحياته شهرًا في السجن، أبى الحاكم إلاّ أن يزيد على سنن الطبيعة شهرًا واحدًا، فأمر أن تفتديه والدة الولد بشهر عاشر من حياتها بعد شهور الحمل التسعة
وما زال هذا الامتياز البشري مرهونًا بإذن الحاكم حتى يومنا هذا.
وفي قصة كنديد، لما استولى القرصان على سفينتهم في عرض البحر، فأخذوا يفتشون الرجال والنساء، روت امرأة عجوز ما نزل بها من تفتيش، فقالت: (ويعرون من فورهم كالقرود.. ومن الأمور التي تثير العجب سرعة تعرية هؤلاء السادة للناس. ولكن أكثر ما أدهشني هو إدخالهم إصبعا إلى مكان فينا جميعًا لم نكن، نحن النساء، لندع شيئًا يدس فيه غير أنابيب المحقنة.. وهذه عادة استقرت، منذ زمن لا يعرف أوله، بين الأمم المتمدنة التي تجول على البحر. وقد علمت أن هذا لا يفوت فرسان مالطا المتدينين مطلقًا، حين يأسرون تركا وتركيات. فهذا قانون دولي لم تخالف أحكامه قط)
فحتى يومنا هذا تطبق حكومتنا هذا القانون الدولي على الترك والتركيات من العرب، جوًا وبحرًا وبرًا - في مطار اللد، وفي ميناء حيفا، وفوق الجسور المفتوحة. فصار الترك والتركيات، حين يزمعون أمرهم على السفر، يتناظفون جيوبًا وحقائب وثيابًا، ظاهرة وباطنة. والتركية، حين ترغب في أن تضبع الشرطية، ترتدي أفخر الباطنيات النايلونية حتى تتأدب الشرطية حسدًا.
فيضحك صاحبي الفضائي ثم يقول مستريحًا: فهل تقوّل أصحاب صاحبك عليه، بأنه قلد كنديد، يعود إلى أنهم، حين كانوا يعرونهم، كانوا يدخلون أصابعهم هناك?
- هات مثلاً..
- قرية برطعة، في المثلث، المقطعة، مثل الطفل في محكمة سيدنا سليمان عليه السلام، إلى نصفين، نصف أردني ونصف إسرائيلي.
- الطفل في محكمة سيدنا سليمان، عليه السلام، ظل سليمًا ورفضت والدته الحقيقية اقتسامه.
- أما برطعة فاقتسموها وظلت سليمة. فلما سطا لصوص على قطيع بقر أردني، تعداده عشرة رؤوس، فمر الأثر بقرية برطعة، حملت الحكومة الأردنية على القرية حملة محمولة على ظهور الخيل. فجمع الفرسان الأهالي. وطرحوهم أرضًا. وأشبعوهم ضربًا ورفسًا حتى قام الأهالي وأشبعوا الفرسان، كل فارس دجاجتين، والخيل، كل فرس علفها. وبرطعوا في برطعة. فسميت برطعة. فلما عادوا أدراجهم، حمل جند بنغلوس على القرية وانتشروا يبحثون عن المتعاونين مع الغزاة الأردنيين.
فإذا وجدوا قرويًا لم يطرحه الفرسان الأردنيون أرضًا واكتفوا بلكمه، ثبتت تهمة التعاون مع العدو عليه. فإذا كانوا طرحوه أرضًا واكتفوا برفسه، فهو متعاون. فإذا ضربوه ولكموه ورفسوه ولم يطرحوه أرضا فهو متعاون، إلخ
كنديد، يا سيدي، كان يقول: (كل شيء في هذا العالم حسن لا ريب فيه. وذلك مع الاعتراف بإمكان الأنين قليلاً مما يحدث في عالمنا روحا وبدنا). أما أنا فحتى الأنين لم يكن متيسرًا لي.
فيقول صاحبي الفضائي: أفصح!
فأفصح وأقول:
كيف تحول سعيد إلى هرة تموء

عشت في الدار الخارجة، خارج الدياميس، عشرين عامًا وأنا أريد أن أتنفس فأعجز، كالغريق، عن التنفس. ولكنني لا أموت. وأريد أن أنطلق فأعجز، كالسجين، عن الانطلاق. ولكنني أبقى حرًا.
وكم من مرة هتفت بمن حولي: يا قوم، إن فوق كتفي لسرًا خطيرًا أنوء بحمله، فأعينوني! فما خرج من تحت شاربي سوى مواء الهرة.
حتى آمنت بحلول الأرواح.
تصور روحك، بعد موتك، حلت في هرة. فبعثت هذه الهرة لتسيب في فناء بيتك. فخرج ابنك، حبيبك، يتلهى بما يتلهى به الصبيان من اللعب. فناديته، فمؤت. فزجرك. فناديته طويلاً، فمؤت طويلاً. فرماك بحجر. فذهبت في حال سبيلك وحالك كحال الفتى العربي في شعب بوان.
(غريب الوجه واليد واللسان)
هكذا حالي: عشرين عامًا أهر وأموء حتى أصبح هذا الحلول يقينًا في خاطري. فإذا رأيت هرة توسوست: لعلها والدتي، رحمها الله! فأهش لها وأبش. وكنا نتماوأ أحيانًا.
فهتف صاحبي الفضائي وقد انبسط صدره: على رسلك يا ابن النحس! أراك تأهلت للانتقال إلى المرتبة التاسعة من الدعوة
قال: كان أسلافنا، من إخوان الصفاء وخلان الوفاء، شبهوا الخلق من أمثالك بالبهائم العجمية. فلجموا كما تلجم البهائم بلجم الحديد الثقال، والأرسان لتقاد حيثما قيدت، وتمتنع عن الكلام بما أرادت. حتى بإذن ربها بانتباه نائمها، وبقيام قائمها، وبظهور الناطق. فيفك البهائم الأسيرة، والأشخاص الذليلة، من أسر العبودية وقيد المملكة ورق الذل، ويجعل الذين أهانوهم في مثل ما كانوا فيه، جزاء ما كانوا يعملون.
فهتفت به: فأنطقني!
قال: عد إلى الكتابة إلى صاحبك.
قلت: أخرجني إلى الناس وكأنني خارج عن الناس. قال: وهل الذي استشعر منهم بمختلف كثيرًا عنك، أما أنت فتقمصت هرة. وأما هو فتقمص شاعرًا. وكلاكما يهرب حتى يتنفس، ويختنق حتى لا يموت. ومنهم من احترف الأدب عجزًا. ومنهم من هرب من موقفه بتغيير موقعه.
وآخرون أخفوا عورة العجز بورقة الحكمة. وآخرون بالفلسفة، وبأن الزمان حاملهم لا محالة على العقرب القصير، إن لم يكن حاملهم على العقرب الطويل، إلى قيام الساعة، وبأن الشعب غير مؤهل لغير ذلك، وبما إلى ذلك من علل العليل.
ما هكذا فعل قائدنا، أبو ركوة ، قبل ألف عام. فلما رأى الناس يؤمنون بأن الحاكم بأمر الله يحكم بأمر الله، لم يسقط في يده، ولم ينتظر أن يصبح الشعب مؤهلاً، بل أقنعهم بأنه ثائر عليه، هو أيضًا، بأمر الله. فتلقب بالثائر بأمر الله على الحاكم بأمر الله. فحيد العزة بالعزة. والحاكم أظلم. فتبعه خلق كثير. وكنا بينهم.
قلت: وسري الدفين?
قال: فجد به.
وها أنا فاعل.
كيف سبَقَت العروبة الأصيلة، بالتشمير، عصر التشمير
في الربيع التقيت الطنطورية. وما هذا هو اسمها، بل نسبة إلى قرية الطنطورة، على شاطئ البحر، حيث سقط رأسها قبل أن يسقط مسقطه بثلاثة عشر عامًا.
وكان الرحيل دهمها وهي في زيارة أخوالها، في قرية اسمها جسر الزرقاء، على شاطئ البحر أيضًا. فبقيت فيها حتى تشاطرني الهموم وأشاطرها ردحًا من الزمن.
وأمر هذه القرية، جسر الزرقاء، أمر عجيب. فكيف صمدت هذه القرية لدواهي الحرب والترحيل، مع أختها فريديس - الفردوس - المجاورة، لما قبض الريح بقية القرى العربية على الساحل، ما بين حيفا وتل أبيب - الطيرة وأجزم وعين غزال والطنطورة وعين حوض وأم الزينات، وهي أعمق منها جذرًا، وأصلب عودًا?
أما فريديس - الفردوس - فبقيت لحاجة في نفس يعقوب. وهو غير معلمي يعقوب من اتحاد عمال فلسطين. بل جيمس (يعقوب) دي روتشلد، الذي أقام بحلالة مستوطنة (زخرون يعقوب) - لذكرى يعقوب - في أواخر القرن التاسع عشر. فانصرف أهلوها القادمون من أوروبا، إلى صناعة النبيذ الجيد، فتضعه مصايف العروبة، وقد تعددت أسماؤه، على موائد أمراء الجزيرة، من الربع الخالي، عبر الجسور المفتوحة، فيستذوقونه، فينشد منشدهم:
يا بشر ما لي للسيف والحرب وإن نجمي للهو والطرب
لو كان قصف وشرب صافية مع كل خود تختال في السلب
والنوم عند الفتاة أرشفها وجدتني ثم فارس العرب)

ثم ينتشي منتشيهم صائحًا يتهم كل مطالب بتنفيذ قرارات مجلس الأمن بأنه خائن العروبة!



__________________


:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
للفراغ ..

لأنه دوماً يجيب!!
::::::::::::::::::::::::::::::::::


عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]


متشائل غير متواجد حالياً   أرسل هذا الموضوع إلى صديق رد مع اقتباس
قديم 02-12-2008, 01:11 AM
#16

متشائل

كبار الشخصيات

 
الصورة الرمزية متشائل

 
تاريخ التسجيل: Mar 2007
المشاركات: 1,966
Thanks: 746
Thanked 606 Times in 105 Posts
متشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of light


افتراضي


أما الفرادسة فقد أنقذهم عصر الكرمة، في دنان يعقوب، من أعاصير الحروب. والحق يقال عن أهالي زخرون يعقوب أن الربح الوفير، الذي جنوه من سواعد الفرادسة وسيقانهم، شد من سواعدهم حين حمل عليهم إخوانهم الصهيونيون، من ذوي العمل العبري النقي، التقي، الصافي صفاء خمرة تلك الدنان، حتى ضحكوا، بصفاء نية، من الحكاية التالية التي انتشرت عنهم وحدثني بها معلمي يعقوب، بصفاء نية:
إن آباء زخرون يعقوب اختلفوا يومًا:
هل من الحق، شرعًا، أن يعاشر الرجل زوجه في السبت، أم أن الأمر عمل، مثله مثل بقية الأعمال التي لا تجوز في السبت، شرعًا. فذهبوا إلى الحاخام ليقضي بينهم، هل الأمر عمل أم لذة. ففكر الحكم طويلاً، ثم حكم إنه لذة. فهات برهانك? قال: لو حكمت بأنه عمل لأعطيتموه العرب - الفرادسة!
فضحكنا، يعقوب لأنه يكره الأشكناز، وأنا لأنه ضحك.
ومن التجني أن تلوموا أبناء الفردوس - فريديس - على أنهم حافظوا عليه فضلة دنان.
فمن شيد المباني الشاهقة في هذه البلاد، وشق طرقها العريضة، وزفتها، وأحكم الاستحكامات، وحفر الملاجئ?
ومن زرع القطن، ثم جناه، ثم حلجه، ثم نسجه أثوابًا يتيه فيها سادة رغدان وبسمان، فقيل إن الاتحاد الوطني سيخيط منها لباسه الموحد، فيتساوى أعضاؤه، كأسنان المشط، لا فضل لعربي على أعجمي إلاّ بملوكهم وبتقبع الكوفية، رمز العروبية، حتى إذا فارت دماؤها في عروقهم، تلثموا بها غب الشهادة، فإذا انفجرت دماؤها في عروقهم أقعوا يرغون ويزبدون بالحياة الأفضل، حتى إذا تأججت دماؤها في عروقهم لعنوا المستوردات الأجنبية سوى الملكية والكوفية والطيارة والخمارة والصورة والوقوف للصورة ولثم اليد وولي العهد و(تمتع الغني بما جاع به فقير) ، في الأسرة الواحدة الأسير، وقهر العمال والاستغلال، وقطع الرزق، والفسق، في عصر التشمير، وكان العرب سبقوا إليه حين قالوا: شمر للحرب وشمر للسلم وشمر للعمل وشمر للصلاة، ولم يقولوا: تقبع أو تسربل أو تكوكف أو تلثم أو ولول: عاش الملك!
من شيد المباني وشق الطرق وحرث الأرض وزرعها، في إسرائيل، غير العرب الباقية في إسرائيل، فالعرب الباقية، صبرًا، فيما احتلته دولتنا من أرض لم يجد لها أحمد الشقيري متسعًا في ملفات خطبه الرنانة?
ولقد رأيتهم، في ساحة العجمي بيافا، شبابًا في عمر التمر، من غزة وجباليا وبيت لاهية وبيت حنون ودير البلح وخان يونس ورفح، يتمايلون على سيارة المقاول كتمايل شواهد القبور فوق إخوتهم الشهداء في مقابر غزة ، فآمنت بأن الأحياء يستطيعون هم أيضًا، أن يبقوا في وطنهم!
ورأيتهم في ساحة باريس (ساحة الحناطير، فالخمرة في الزمان الأول)، في حيفا التحتا، شبانًا في عمر نوارة اللوز والمشمش اللوزي والتفاح أبي الخد الأحمر، من قلقيلية وطولكرم وجنين وطوباس والسيلة واللبن، ينتظرون سيارة المقاول، فيتحسس سواعدهم ويروح النظر في قاماتهم الممشوقة، فيمتطي منهم من اشتد ساعده وقست ساقه. فاستعدت حالنا قبل عشرين عامًا. فآمنت بأن هذا الشعب لا يفنى!
ورأيتهم، في المغيب، يحشرون في سيارات النقل العتيقة، كما حشروا، في يومهم، صناديق البطاطا، وكوموا الشمندر في سيارات أحدث من السيارات التي ينقلون فيها، عائدين إلى مدنهم وقراهم، إلاّ الذين غض السيد المقاول الطرف عنهم ليبيتوا ليلتهم في بناء لم يتموا بناءه، يتسترون بالطوب من الطارقين: برد ما قبل الفجر، ودهمة الشرطة ما قبل الفجر.
حتى إذا تفتحت أكمام الفجر شمروا عن أكمامهم وتفتحوا على الحياة تفتح الياسمين. فتذكرت حالنا قبل عشرين عامًا، وكيف كان معلمي يعقوب يخيرني أن تضيع الطنطورية عليّ، كما ضاعت من قبل (يعاد)، أو أن أهب مع الفجر، فأنطلق إلى هؤلاء، الواقعين في براثن المقاول، فأنقذهم من براثن الشيوعيين (كما أنقذت عجائز النصارى لحية الخوري من المعط وهو قائم فوق المحراب يصلّي
فآمنت، يا محترم، بأن الأمر مكتوب علينا، فلا بد مما ليس منه بد. أو كما جاء في الأغنية الإيطالية التي ترجمتها شعرًا:
مشيناها خُطًي كتبت علينا ومن كتبت عليه خُطًي مشاها!

أما أهل القرية، جسر الزرقاء، وهم أخوال صاحبتي الطنطورية، فلم يمشوا أية خطوة، ولم يخرجوا أبدًا من قريتهم المنسية. وهذا سر بقائهم فيها. فلم تدر مذراة الرحيل الأول بوجودهم. فظلوا يصطادون صغار السمك في مصب النهر، آمنين، سوى الطنطورية.
كيف كانت التماسيح تعيش في نهر الزرقاء

ففي أوائل الخمسينيات، لما أتيتهم أصطاد السمك بين الصخور المشرئبة بعيدًا في عرض البحر على مصب نهر الزرقاء، الذي كانت تعيش التماسيح فيه فسماه إخواننا اليهود باسمها، نهر التنين، وهي التماسيح، مع أن شيئًا لا يعيش فيه الآن غير البوري الصغير وأفاعي النهر.
رأيتهم ينزلون عراة إلى مصب النهر قبل أن تنزل الشمس في مغرب البحر، فتية وفتيات سمرًا، أجسامهم برونزية وأبنوسية، ضامرة من غير صناعة، فينتظمون صفوفًا متوازية على عرض المصب. فيتقدمون صوب البحر وأيديهم في الماء يخرجونها، بين الحين والحين، تمسك بأسماك تتلوي. فيقذفونها نحو الشاطئ. فيتناولها نسوة يأسرنها في أكياس أعدت لهذا الغرض.
سوى صاحبتي الطنطورية، شقراء مثل روميات بيزنطية، فكانت تنتحي مكانًا قصيًا.
فتقف لوحدها تراقب هذا الصيد العجيب ولا تشترك فيه إلاّ بنظرات رانية تفيض بالحياة، وبشفتين تسجلان، برعشات الابتسامات الحيية، رعشات السمك وهو يقذف نحو الشاطئ.
وكانت في عمر الفتيان والفتيات، أربعة عشر عامًا أو خمسة عشر عامًا، جديدة جدة الفجر في هذه النواحي، إلاّ أنها اختلفت عنهم في عزلتها، وفي لون بشرتها الأبيض المشوب بالصفرة.
ولما كنت أعلم أن الأولاد الآخرين هم ذرية المصريين من الوجه القبلي، الذين حملهم إبراهيم باشا معه إلى فلسطين، فأقاموا في جسر الزرقاء وفي غيرها من قرى هذا الساحل، قلت في نفسي: لعل هذه الصبية الشقراء المنفردة، هي من أصل جارية رومية، فتربطنا صلة القربى في أصل شجرة واحدة? فأخذت أراقبها لمآرب تاريخية ولمآرب أخرى.
فلما نبهها وجودي، فغضت الطرف، فانعكست حمرة الشفق على صفحة وجهها الطبيعي، فكشفت عن عينيها أجفان الخجل، فرأيت الحيرة والدهشة وقبلة الحياة ترقص فيهما دبكة شمالية، أيقنت أنني هالك الساعة!
أستعيد هذه الذكريات، الآن يا محترم، وقد أقفر قلبي من هذا العرس. لم تبق الطنطورة، ولم تبق الطنطورية. أما قوم جسر الزرقاء فقد ارتدوا ثيابهم ولحقوا، في العمل البري، جيرانهم الفرادسة. ولم يعد ينزل منهم إلى النهر أو يقف على لسان البحر، سوى فتيان هاربين من مدرسة أو شيوخ هاربين من بقية حياة. ولولا الحركة المباركة، التي قامت بها جمعية الرفق بالطبيعة، فحالت دون السلطة وإقامة المحطة الكهربائية، التي أزمعوا إقامتها على مصب النهر، لما بقي اسمي - سعيد - محفورًا على كتف الصخرة الجيرية التي كانت الطنطورية تتكئ عليها ونحن نخيط، بالعيون، وشائج المستقبل.
باقية - التي أشركته في سرّها قبل أن تصبح شريكة حياته

ففيما أنا عائد، في إحدى الأماسي، وقد أقفر المكان. اتكأت على هذه الصخرة، فرأيت اسمي محفورًا على كتفها. فأدركت أن هذه الصبية أشجع من هذا الصبي، وأنها استدرجت أقرانها، الذين كنت أوزع صنارات الصيد عليهم درءًا لشرهم، حتى أخبروها باسمي.
فعلمت أنها تحبني. فأحببتها. وقديمًا علمت بأنني واقع لا محالة، في حب التي تحبني. وليتني أدركت منذ تلك اللحظة، أن شجاعتها غير مألوفة. ولكنني كنت غريقًا على كتف الصخرة الجيرية.
فأغدقت الصنارات وخيوط النايلون على صبي كان يلبي طلبي فينزل إلى البحر يفك صنارتي من صخرة علقت بها. فسألته:
ما أمر هذه الصبية فلا تشارككم صيدكم ولهوكم?
قال: (الطنطورية)?
ثم حدثني بما يعرفه عنها. فإذا هم لا يعرفون لها اسمًا سوى الطنطورية، لأنها من الطنطورة. وقال: إنها كانت في زيارة أخوالها في جسر الزرقاء حين سقطت الطنطورة ورحل أهلها. فبقيت في جسر الزرقاء.
وقال: هي مدنية، وتتكبر علينا.
وقال: أمرها عجيب. فهي إما أنها تبتسم وإما أنها تبكي. فأصبحنا نخافها، ونتحاشاها. غريبة وتقرأ كتبًا وتبتسم لوحدها وتبكي لوحدها.
فلما طلبت منه أن يسأل عن اسمها وعن أخوالها وأن يعود، في الأسبوع القادم، فيخبرني، عاد مع أقرانه وأخذوا يرجمونني بالحجارة. ولم تعد الطنطورية تتكئ على صخرتها. ولم أعد أجرؤ على زيارة ذلك الشاطئ.
فاحتبست في غرفتي، في اتحاد عمال فلسطين، مهمومًا: هل ستضيع الطنطورية عليّ كما ضاعت (يعاد)?..
فإذا بمعلمي يعقوب يهرول ويصرخ: ما كنت تفعل في جسر الزرقاء?
قلت: أتبع هوايتي بصيد السمك.
قال: فما يعنيك من بنات البلد?
قلت: لم أكن أعرف أنها شيوعية!
فانفجر يعقوب بالضحك، فانفجرت معه بالضحك.
وقال إنه يضحك من سذاجتي. فلا خطر من ظهور أي شيوعي في هذه القرية ما دام أهلها معزولين بالرمل وبعتمة الليل وبخيوط العنكبوت.
- خيوط العنكبوت?
- إنهم حمولة واحدة، تنتشر فيهم أواصر القربى انتشار خيوط العنكبوت.
- والطنطورية?
فأخبرني بما كنت أعرفه عن أصلها. وأضاف إلى ذلك أن أخوالها (من جماعتنا) مع أن اسمها الحقيقي هو (باقية). وقال: هذا هو الضد وضده.. ولكنها طفلة.
ووعدني بأن يدبر لي أمرها إذا استيقظت قبل الفجر وقمت إلى عمال القرى، الذين يبيتون في خرائب حيفا، فأيقظتهم، قبل الفجر، على خطر الشيوعيين. فوعدته خيرًا. وأخذت أبيت معهم، فيتركونني أغط بالنوم ويسعون في طلب الرزق.
حتى وقعت انتخابات الكنيست الثانية، في تموز عام 1951، فإذا بالشيوعيين ينالون ستة عشر صوتًا في جسر الزرقاء. فأقبل علي يعقوب، هاشا باشا، وهو يهتف: البشارة، البشارة. لقد قرر الرجل الكبير (ذو القامة القصيرة) أن يصوبك نحو جسر الزرقاء، فتستأصل شأفة هذه الأصوات النشاز.
كيف?
- بأن نزف إليك (باقية).
وما انقضى شهر تموز حتى زفت إليّ (باقية). فلما خلونا إلى بعضنا، وهمست في أذنها: يا شريكة حياتي.
قالت: أشركك، أولاً، بسري الدفين.
كيف أصبح سعيد (ذا السرّين)

في تلك الليلة سمعت من (باقية) ما لم يسمعه عريس ليلة الدخلة، وما لم يسمع عن صبية في عمرها.
قالت (باقية): اسمع، يا ابن عمي! أحببتك! فبرأس أمي وبرأس أبي أحببتك. وإني أحبك يا ابن عمي. ولكنني ما أحببتك تبعث بهؤلاء الناس يطلبون يدي من خالي.
واسمع، يا ابن عمي! صغيرة أنا. أصغر من السن القانونية للزواج. ولكنني أعرف أن واضعي القانون يتجاوزونه حين تكون لهم من وراء ذلك مآرب أخرى. فما هي مآربهم?
دعني أتكلم، يا ابن عمي، ولا تقاطعني.
ظللت أحبك حتى أحببتني. وها أنا أصبحت عروسك، شريكة حياتك. ها نحن نعمر بيتًا واحدًا.
أصبحت أملي، يا ابن عمي. وأنا أريد العودة إلى خرائب قريتي الطنطورة، إلى شاطئ بحرها الساكن. ففي كهف في صخرة تحت سطحه يسكن صندوق حديدي، مليء بذهب كثير، مصوغات جدتي ووالدتي وأخواتي ومصوغاتي، وضعه والدنا هناك، وأخفاه، وأعلمنا بأمره حتى يلتجئ إليه كل محتاج منا إليه.
أريدك، يا ابن عمي، أن تتدبر أمرنا حتى نعود إلى شاطئ الطنطورة، خلسة، أو أن تعود وحدك، فتنتشل الصندوق من مخبئه، فيغنينا ما فيه عما أنت فيه. وأنا لا أريد لأولادي أن يولدوا محدودبين. لقد تعودت ألاّ أتنفس إلاّ بحرية يا ابن عمي!
وكنت لا أكاد أتنفس وأنا أستمع إليها، إلى هذه الصبية تتكلم بجرأة جعلتني أطبق فمي حتى أحفظ قلبي في مكانه.
فلما بلغت هذا المبلغ من حديثها ظهرت لي الحقيقة التي كان جهلي بها يثير عجبي من أصحابك، يا محترم، كيف يستأسدون على السلطة الجبارة، ولا يهولهم رجل كبير حتى ولو لم يكن قصير قامة، مع أنهم لا يملكون شروى نقير.
أدركت سركم، يا أستاذ! فكل واحد منكم، إذن، لديه صندوق حديدي، في طنطورته، حيث أخفى والده كنزه الذهبي.
فلما أدركت أنني، بهذا الكنز، أصبحت واحدًا منكم دون أن تعلموا من أمري شيئًا، انشال هم عن صدري.
وأعجب ما أعجبني منكم أنكم قدرتم على إخفاء هذا السر، على الرغم من أنه سر شائع بين الألوف، بل عشرات الألوف منكم. فقلت في نفسي: إذا استطاعوا ذلك فكيف لا أستطيعه وسري لم يجاوز الاثنين، (باقية) وأنا?
فقمت إلى (باقية) أطمئنها على أمانتي، وعلى رجوليتي، وأخذت أمزج دموعها بدموعي، وهو أضمن للزواج حتى من امتزاج الدم في عروق البنين، حتى هدأت واطمأنت وأصبحت شريكة حياتي.
ومنذ تلك الليلة رحت ألقب نفسي بذي السرين: سري وسركم. أما معرفتي بسركم فقد خففتني. وأما معرفتي بسر (باقية) فقد أخافتني.



__________________


:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
للفراغ ..

لأنه دوماً يجيب!!
::::::::::::::::::::::::::::::::::


عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]


متشائل غير متواجد حالياً   أرسل هذا الموضوع إلى صديق رد مع اقتباس
قديم 02-12-2008, 01:12 AM
#17

متشائل

كبار الشخصيات

 
الصورة الرمزية متشائل

 
تاريخ التسجيل: Mar 2007
المشاركات: 1,966
Thanks: 746
Thanked 606 Times in 105 Posts
متشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of light


افتراضي


كيف أصبح سعيد صاحب دعوة

قلت لها: نامي، الصباح رباح. ولكنني لم أنم. فقد أدركت أن طريقنا إلى الكنز محفوف بالمخاطر. فإذا لم أتدبره مليًا وقعنا. فلا كنزًا انتشلنا ولا سرًا حفظنا.
فإذا كان البيت الذي شيده أخي، على شاطئ تل السمك، أصبح ملك حكومة الرجل الكبير، ذي القامة القصيرة، فكيف بصندوق في البحر، على أمتار من الشاطئ، أي في مياه إسرائيل الإقليمية قطعًا?
وكانت (باقية)، مثلي، تدرك أن الأمر محفوف بالمخاطر. بل إنه محفوف بأشد المخاطر. بل حسبت أن العرب الذين بقوا في إسرائيل هم، أيضًا، ملك الدولة. قالت إن المختار أخبرهم بهذا الأمر، إنهم أخبروه به.
وكنت، في إحدى الليالي، سألتها: ألم يكن لأخوالك أرض في جسر الزرقاء? فأجابت: بلى. ولكن الحكومة استولت عليها كما استولت على بقية الأراضي في جسر الزرقاء.
فسألتها: ألم يرفع أخوالك أمرهم إلى القضاء?
فأبدت دهشتها. وقالت: قال لنا المختار أنهم قالوا له: حاربتم فانهزمتم، فأصبحتم، وأموالكم، حلالاً لنا. فبأي قانون يطالب المغلوب بحقه?
فما انتبهت إلاّ وأنا أهتف: ها، ها! الآن فهمت حرص الرجل الكبير على منع الشيوعيين عن دخول قريتكم أو عن دخول أمثالها من القرى التي عزلتها الطبيعة. فإذا لم تعزلها، سيجوها بالأسلاك!
ولات ساعة مندم. فقد فتحت باقية عينيها الواسعتين وأمطرتني بالأسئلة:
- من هم الشيوعيون?
- ناس يكفرون بالنعمة.
- أية نعمة?
- نعمة الغالب على المغلوب بالحياة.
- هذه نعمة ربنا.
- فيكفرون بربنا. إنهم ملاحدة.
- كيف يكفرون?
- يدعون القدرة على تغيير المكتوب.
واستعذت بالله. ولكنها ازدادت تلهفًا وإلحاحًا:
- كيف يقدرون على ذلك?
- لعلهم وجدوا، مثلما وجدنا، صناديق تركها لهم آباؤهم مخبوءة على شطئان طنطورتهم.
فهيج هذا الجواب خاطرها، فأبرقت عيناها، وحزمت ما بين حاجبيها فحزمت أمرها، وهي تقول: نستعين بالشيوعيين!
الإشارة إلى الحرمان الذي فرضه الفاتيكان، في أوائل الخمسينيات، على الشيوعيين، فانتشرت شائعة في حيفا أن الشيوعيين قرروا معط لحية الخوري ولذلك حرمتهم الكنيسة.
ولما لم يبق لي والدي، رحمه الله، من متاع الدنيا غير الحذر، فقد جعلت أحمل إليها هذا الميراث صبحة وعشية. فقلت لها: قال والدي، رحمه الله، أن الناس يأكلون الناس، فحاش أن تثق بمن حولك من الناس، إنما عليك أن تسيء الظن بكل الناس، حتى ولو كانوا إخوتك من بطن أمك ومن ظهر أبيك. فإذا لم يأكلوك فقد كانوا يستطيعون أن يأكلوك.
وغير ذلك من كلام الحيطة واليقظة حتى أغفت على ساعدي. فقعدت متيقظًا طول الليل وأنا أفكر في أمر الصندوق وانتشاله.
حكاية الثريّا التي رجعت تسفّ الثري

وبعد عشرين عامًا، لما قرأت عن كنز العجوز اللداوية ثريا عبد القادر مقبول، كيف أضاعته لسلامة طويتها، أي لسذاجتها، أيقنت أنني أحسنت صنعًا لما لم أبق عنصرًا من عناصر الخطر والفجاءة إلاّ حسبت حسابه، واحتطت له حيطة شديدة، حتى بقي سري دفينًا ما كشفت عنه إلاّ الآن، ولك يا محترم.
ففي العاشر من أيلول، من العام الخامس ب. ح ، الموافق عام 1971م روت صحيفتكم الاتحاد، عن معاريب، عن هآرتس، عن الشرطة الإسرائيلية العامة، عن شرطة اللد الإسرائيلية، أن السيدة العجوز ثريا عبد القادر مقبول، السن خمسة وسبعون عامًا، عادت من الأردن إلى بلدها ومسقط رأسها، مدينة اللد، بموجب نظام العطلة الصيفية عبر الجسور المفتوحة. وذلك بعد أن ظلت بعيدة عن بلدها ثلاثة وعشرين عامًا لاجئة في عمان مع زوجها وأولادها.
عاشت في عمان مع زوجها وطفلها وأبي عمرة الذي رحمها فلم تنجب منه أطفالاً. حتى شب ولداها، فسعيا إلى الكويت في طلب الرزق. فعادا بحفنة نفط أحمر، شيدا بها بيتًا في عمان، شيعا منه والدهما إلى مقره الأخير. ثم أقبل أيلول الأسود، عام 1970، على صورة دبابة هاشمية نقية تقية من طراز شيرمان، هدمته فلم يخرج من تحت الأنقاض سالمًا سوى الثريا وطويتها السليمة.
فلما وقفت ثريا عبد القادر مقبول بين الأنقاض في صحراء الغربة القاحلة، تذكرت عزها الدارس في فردوسها المفقود، في بيتها العامر في اللد. وكانت خبأت مفتاحه في نقره في الجدار. وكانت جمعت مصوغاتها في صفائح دفنتها في ذلك الجدار. وكانت توكلت ونزحت مع النازحين عام 1948، وهي تؤكد لنفسها: غدًا أعود.
فلما أقبل هذا الغد، بعد ثلاثة وعشرين عامًا، أزمعت أمرها. وفي الصيف عبرت الجسر المفتوح. فضيعت اللبن.
ولما أرادت أن تدخل بيتها القديم في اللد لتنتشل كنزها، أغلقت وريثتها الشرعية، من عهد نوح، الباب في وجهها. فلم تفاجأ حيث إن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة.
فنصحها ذوو القربى، المقيمون في إسرائيل، أن تلتجئ إلى قبضة الأمن وعسس النظام، أي إلى الشرطة الإسرائيلية. فعملت بالنصيحة. فأرسلوا معها رجل شرطة ورجلاً قيمًا على أراضي إسرائيل. فلم يشاؤوا أن يقلقوا راحة الوريثة الشرعية، فأتوا منزل العجوز من خلف جداره، في منزل يقيم فيه ذوو قربى. فأحسنوا وفادتها. فأشارت إلى مكان في الجدار، فحفروا عميقًا. فوجدوا صفائح المصوغات. ثم أشارت إلى مكان آخر. فحفروا. فوجدوا المفتاح. فهللوا وكبروا واغرورقت عيون الجمع. ومسح الشرطي دموع رجل القيم بمنديله. فقوم القيم إنسانية رجل الشرطة تقويمًا عاليًا، فمسح دموعه بمنديله. وتعانق العرب واليهود. وتعايشا بدموع الفرحة والامتنان والإنسانية. فأبلغوا رجال الصحف. فنشروا الخبر. وأذاعته الإذاعة. وكم من معلمة في روضة أطفال، في تلك الأيام المشهودة، روت هذه الحكاية على أطفال الروضة، عن شرطة إسرائيل التي تبحث عن كنوز الأمهات الثكالى العربيات وتبحث عن الأطفال اليهود الضائعين، ولا يغمض لها جفن.
ولكن، حين مدت الأم الثكلى (الثريا)، يدها لتطول مصوغات عرسها، ناولها رجل القيم على أراضي إسرائيل (شهادة بالذهب، وأخذ الذهب وذهب. وأما الثريا فأخذت (شهادة الذهب) وذهبت، عبر الجسور المفتوحة، راجعة لتسف الثرى في مخيم الوحدات ولتدعو بطول البقاء لذوي القربى ولأولاد عمهم.
أما أنا فقد علمتني التجارب ألاّ أحسن النية، وأن أبقي الطوية مطوية، علمًا بأن بطاقة اتحاد عمال فلسطين لا تنفعني إلاّ حين لا أنفع غيري، أو أن يعود النفع على الرجل الكبير، ذي القامة القصيرة، الذي لا ينفع أحدًا.
فلما نقلت متاعي من بيت إلى بيت أصلح للزوجية، من وادي النسناس في حيفا الذي لا يصلح لعشار البهائم، إلى شارع الجبل، ودفعت ثمن المفتاحية، أو خلو الرجل، حتى لم يبق معي ما أستأجر به دابة لنقل متاعي، فنقلتها راجلاً، إذا بسيارة تقف فجأة أمامي. فينزل منها تأبط شرًا. فيستل من تحت إبطه قلما وورقة ويقول:
- نحن (وهو وحده!) من الحارس على أملاك العدو.
فاستللت بطاقة اتحاد عمال فلسطين من جيب المؤخرة، وهتفت: نحن معكم!
قال: لا، لا. أريد شهادة تثبت أن هذا المتاع هو متاعك، ولم تسرقه.
فأسقط في يدي. فأعدت البطاقة إلى جيب المؤخرة. فأسقط في المؤخرة: متى حفظ الناس شهادات تثبت أن متاع بيتهم هو متاع بيتهم ولم يسرقوه? فخفت على بنطلوني.
قال: لا، لا. هذا متاع بيت عربي.
وكان هذا القول قولاً صحيحًا.
فقال: فقد أصبح ملك الدولة.
قلت: كلنا ملكها.
فلم ينج متاعي من ملك الدولة حتى استدعينا يعقوبا فأقنعه بأنني، أنا أيضًا، ملك الدولة. فحملت المتاع إلى بيتي الجديد وأنا غير مقتنع بأن الحارس كف شره عني. فكنت، كلما عسكر ليل، فطرق طارق بابي، أقوم مذعورًا وأنا أهجس بجاء الحارس ليضع اليد على متاعي.
فلما أشركتني شريكة حياتي، باقية الطنطورية، بسر كنزها، فأصبح سري الدفين، صار طرق ابن الجيران على الباب، ليدعونا إلى زفاف أخته، يلقينا من الفراش على أقدامنا مذعورين ونحن نتهامس: لقد علموا!
ولكنهم لم يعلموا.


__________________


:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
للفراغ ..

لأنه دوماً يجيب!!
::::::::::::::::::::::::::::::::::


عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]


متشائل غير متواجد حالياً   أرسل هذا الموضوع إلى صديق رد مع اقتباس
قديم 02-12-2008, 01:13 AM
#