نحن مع غزة


حصريآ اول كتاباتي ((انا ومن انا))  أرسلت بواسطة: tamallym3ak       رغم الألم ما زلت ...!!!  أرسلت بواسطة: الملاك الصغير       سيدة تموت بدورة المياة !! شاهد بالصور !!  أرسلت بواسطة: محمد محمود صباح       كلمات نتداولها يومياً ولكنها ليست عربية !!  أرسلت بواسطة: محمد محمود صباح       ببساطه......الرجال في عيون المرأة  أرسلت بواسطة: فداء عكاشة       لماذا نستحي من مشاعرنا ولا نخجل من تصرفاتنا؟؟؟  أرسلت بواسطة: INSAN       صور اسلحة خفيفة ((مسدسات)) ارجو ان تنال اعجابكم  أرسلت بواسطة: محمد محمود صباح       لنبارك للاخت باربي بوسام العطاء من الدرجة الاولي ....  أرسلت بواسطة: عــــــلاء الثــــائـر       كل ما يلزم العروس موجود هنا>>>>  أرسلت بواسطة: sunshine       ألغاز لغوية جميلة ... متعه و فِكر !!  أرسلت بواسطة: INSAN       عيد ميلاد البنوتة ..آيـــــــــة ..بنت علاء الثائر  أرسلت بواسطة: عــــــلاء الثــــائـر       الاسئلة غبية جداً.........  أرسلت بواسطة: فداء عكاشة       أسماء المرشحين للقبول في الجامعات الأردنية والمرشح...  أرسلت بواسطة: عــــــلاء الثــــائـر       أنواع الشباب بالمسنجر.....ههه  أرسلت بواسطة: فداء عكاشة       نتائج امتحان الاكمال للثانوية العامة في الضفة وغزة  أرسلت بواسطة: عــــــلاء الثــــائـر      

  |  
حصريآ اول كتاباتي ((انا ومن انا)) - آخر رد: tamallym3ak
  |  
انقد البيت التالي - آخر رد: صالح عبد الله يوسف سده
  |  
(( البطاقة الشخصية لسيّد البشرية..)... - آخر رد: وليد 2000
  |  
ضحـــــــــــايا العلــــــــــــــ... - آخر رد: عاشق الرومنسية
  |  
شباب غزة وحبوب ترامال ( Tramal ) ا... - آخر رد: عــــــلاء الثــــائـر
  |  
صور ماسي المسلمين في النيجر وغزة - آخر رد: محمد محمود صباح
  |  
سلسلة التفسير الميسر للقران الكريم ... - آخر رد: abud4
  |  
رهن اوراق - آخر رد: غروب
  |  
طريقة عمل فورمات للموبايل - آخر رد: سعد الدين
  |  
قصص القرآن( أصحاب الكهف) - آخر رد: YASSER2007
  |  
حال الأمه بالصور ...الصور تتكلم - آخر رد: زمن 2008
  |  
:: هذا الحبيب يا محب ::..هلاّ نصرتم... - آخر رد: أيام لن تعود

بشرى سارة....انطلاقا من حرصنا على دعم الاخوة و الاخوات الاعضاء و تحفيزهم اكاديميا فقد قررت ادارة الشبكة رفد الشبكة بكم كبير من الامتحانات و التعيينات السابقة لتكون عونا لكم...انتظرونا قريبا

التعليمات لوحة التحكم المشاركات جديدة فتح قائمة جهات الاتصال
 
العودة   ::منتديات طلاب جامعة القدس المفتوحة:: > الصالون الأدبي > لنرتشف من الفيض سويا ( اعمال شعراء المنتدى الكاملة) > شعراء المنتدى > ملتقى متشائل (ليون برونشتين)
 
 

اللاجئين

قرارات إدارة الشبكة - اعلانات

رد
 
LinkBack أدوات الموضوع إبحث في الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
قديم 02-12-2008, 01:17 AM
#21

متشائل

كبار الشخصيات

 
الصورة الرمزية متشائل

 
تاريخ التسجيل: Mar 2007
المشاركات: 1,866
Thanks: 724
Thanked 589 Times in 103 Posts
متشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of light


افتراضي


الكتاب الثالث يعاد الثانية

صدرت في أواسط 1974

سعيد يجد نفسه فوق خازوق بلا رأس

كتب إليّ سعيد أبو النحس المتشائل، قال: جاءت النهاية حين استيقظت في ليلة بلا نهاية. فلم أجدني في فراشي. فزارتني البردية. فمددت لها يدي أبحث عن سترة فإذا بها تقبض ريح.
رأيتني جالسًا على أرض صفاح. باردة مستديرة. لا يزيد قطرها على ذراع. وكانت الريح صرصرًا والأرض قرقرًا. وقد تدلت ساقاي فوق هوة بلا قرار كما تدلّى الليف في الخريف. فرغبت في أن أريح ظهري. فإذا بالهوة من ورائي كما هي الهوة من أمامي وتحيط بي الهوة من كل جانب. فإذا تحركت هويت. فأيقنت أني جالس على رأس خازوق بلا رأس.
فصرخت: النجدة! فجاءني بها رجع الصدى واضحة حرفًا حرفًا، فعلمت أنني جالس على علو شاهق. فرحت أسلي وحشتي بمجاذبة الصدى أطراف الحديث. فكان الحديث طريفًا حتى افترت الهوة عن ابتسامة فجر أغبر كأنها العبوس.
فماذا أنا فاعل?
فناديت عليّ قائلاً: هدئ من روعك، يا ابن النحس، واجعل أمرك شورى مع عقلك. فما الذي وضعك هذا الموضع، وهل من المعقول أن تنام في فراشك مساء فتستيقظ فإذا أنت على خازوق? تأبى هذا الأمر نواميس الطبيعة وأحكام المنطق. فأنا، إذن، في حلم لا غير على الرغم من أنه حلم طويل.
فما بالي أظل قاعدًا على هذا الخازوق، تحزمني البردية ثم تنشرني لا ستر ولا ظهر ولا أنيس، ولا أنزل?
هذا خازوق في كابوس لا محالة. كابوس عن خازوق. فإذا نزلت عن الأخير نفضت الآخر عن صدري فأعود إلى فراشي وأتغطى وأتدفأ. فكيف أتردد? أخوفًا من أن أهوي من هذا العلو الشاهق إلى قاع الهوة، كبطة أردتها رصاصة صياد بط، فأتوجع فأموت?
ولكن موضعي هذا هو موضع الوهم على خازوق الوهم. فهو فيما يراه النائم من أحلام تخالف نواميس الطبيعة وأحكام المنطق. فهيا، هيا احتضن هذا الخازوق بساعديك وبساقيك وبكل ما فيك من عزم وحزم وإرادة شديدة عند الشدة، ثم اهبط عليه وئيدًا كالسنجاب.
فأزمعت أمري. فحركت ليفتيّ المتدليتين أتحسس صفحته فإذا بها ملساء كجلد الثعبان باردة مثل بروده. فأيقنت أنني لن أقوى على التشبث بهذا الثعبان. وإذا نزلت عليه فأنا واقع لا محالة في القاع، فأدق عنقي فأتوجع فأموت. فأمسكت.
واتتني حكاية الساحر الهندي الذي ينصب الحبل فيظل يرتفع في السماء حتى يغيب رأسه في الغيم فيصعد عليه حتى يغيب ثم يعود ويهبط عليه فلا يتأذي بل يسترزق. ولكنني قلت: ما أنا بساحر هندي بل مجرد عربي بقي، سحرًا، في إسرائيل.
فأردت أن أصرخ: أنا في كابوس! ثم أن أقفز، فلا يمكن أن أموت!
ولقد صرخت. إلا أنني لم أقفز. فإذا كان موضعي هذا هو موضع الوهم فوق خازوق الوهم، وفيما يراه النائم في منامه من حلم أو من كابوس، فلن يدوم الأمر طويلاً قفزت أم قعدت. وسوف أستيقظ، لا محالة، فأجدني في فراشي متغطيًا متدفئًا. فما حاجتي، إذن، إلى مسابقة الساعات، وربما الدقائق والثواني، حتى لحظة اليقظة الآتية لا محالة?
ما حاجتي إلى القفز إذا كان القعود سيقودني إلى النتيجة نفسها?
وهزتني قشعريرة من البردية كادت أن تلقيني من فوق الخازوق لولا قشعريرة خاطر لم أستطع أن أكفه عني:
فكيف إذا كان هذا هو حقيقة وليس فيما يراه النائم من حلم أو من كابوس? أما القول بأنه مخالف نواميس الطبيعة وأحكام المنطق فلا يكفيني برهانًا على أنه غير حقيقي. ألم تبحث عائلتي، عائلة المتشائل عن السعادة طي القرون في عجائب خارجة عن نواميس الطبيعة وعن أحكام المنطق? وإذا ظل أجدادي يدكون أعناقهم وهم يبحثون تحت أرجلهم عن الكنوز المطمورة، فها أنا قد وجدت ضالتي، وأنا أنظر فوق رأسي، في إخوتي الفضائيين الذين أعادوا إلى نفسي الطمأنينة فكيف ينتظر مني، من دون آبائي وأجدادي، وأنا فوق هذا الخازوق بالضبط، أن أسلم أمري إلى نواميس الطبيعة وأحكام المنطق?
ولقد بقيت على هذه الحال أترنح بين قشعريرة وقشعريرة، بردية تقيمني ومحتد عريق يقعدني، حتى التقيت (يعاد) مرة ثانية فشعرت بالدفء لأول مرة منذ ألف عام!
كيف أصبح علم الاستسلام، فوق عصا مكنسة،

علم الثورة على الدولة?

التقيت (يعاد) فيما يكون فيه اللقاء في إسرائيل - في السجن. والأصح أنني كنت خارجًا منه. أما كيف دخلت السجن فذلك حين أفرطت في الولاء حتى أصبح، في عرفهم، تفريطًا.
وذلك حين كنت أستمع، في ليلة من الليالي الست العفريتية، إلى الإذاعة العربية من محطة إسرائيل احتراسًا، فأتاني صوت المذيع وهو يدعو العرب المهزومين إلى رفع أعلام بيضاء فوق أسطحة منازلهم فيوفرها العسكر المارقون مروق السهام. فينامون في بيوتهم آمنين. فاختلط عليّ أمر هذا الأمر: أيهم يأمره المذيع - مهزوم هذه الحرب أم مهزوم رودس? قلت: انهزم أسلم عاقبة! وأقنعت نفسي بأنه إذا ظهر خطئي حملوه على حسن نيتي وبياض طويتي. فصنعت من بياض فراشي علمًا أبيض علقته على عصا المكنسة ونصبتهما على سطح بيتي، في شارع الجبل في حيفا، ولاء الإفراط في الولاء للدولة.
ويا دلالة على من تدلين! فما أن أشرف على الناس هذا الشرشف حتى شرفني معلمي يعقوب بزيارة عاطل، أي خلوًا من السلام عليكم. فلم أرد التحية. وكان يصرخ: أنزله يا بغل!
فأنزلت رأسي حتى لامست قدميه وأنا أقول: هل عينوك ملكًا على الضفة يا صاحب الجلالة?
فأخذ يعقوب بتلابيبي - أي ببجامتى - وراح يدفعني على الدرج نحو السطح وهو يشنشن: الشرشف، الشرشف! حتى بلغنا موضع المكنسة، فانتزعها، فحسبت أنه يريد أن يضربني بها، فتعاركنا راقصين رقصة العصا حتى تهاوى على حافة السطح وهو يبكي ويقول: رحت يا صديق العمر ورحت معك!
فقلت إنني رفعت الشرشف على عصا المكنسة ملبيًا أمر المذيع من محطة الإذاعة الإسرائيلية. قال: حمار، حمار!
قلت: ما شأني إذا كان حمارًا? ولماذا لا تستخدمون مذيعين سوى الحمير?
فأفهمني أن المعني بالحمار هو أنا. أما مذيعو القسم العربي في محطة الإذاعة الإسرائيلية فكلهم عرب. ولذلك أساؤوا صياغة النداء فالتبس الأمر عليك، يا أحمق!
فدافعت عن بني قومي، الذين يعملون في محطة الإذاعة، قائلاً: ما على الرسول إلاّ البلاغ. يهتفون بما يلقنون. وإذا كان رفع العلم الأبيض على عصا مكنسة يسيء إلى جلال الاستسلام فإنكم لا تجيزون لنا حمل أي سلاح سوى المكانس.
وأما إذا كانت المكانس قد أصبحت، منذ اندلاع نيران هذه الحرب، سلاحًا أبيض فتاكًا لا يجوز لنا حمله إلاّ بإذن، كبارودة الصيد التي لا يؤذن بحملها إلاّ للمخاتير وللمدمنين على الخدمة منذ الصغر، فإنني معكم أبًا عن جد. وأنت تعلم، يا صديق العمر، بإخلاصي المفرط للدولة ولأمنها ولقوانينها، ما هو معلن منها وما سوف يعلن!
وكان صديقي يعقوب يستمع إلى هذياني وهو مشدوه الفم لا يقوى على كفكفة الدمع المنسكب على وجنتيه فلا يقوى على كفي عن الهذيان.
حتى تمالك جأشه فأوضح لي ما وقعت فيه من التباس قرر رئيسنا الرجل الكبير، ذو القامة القصيرة، أنه ليس التباسًا بل نفير بشق عصا الطاعة على الدولة.
قلت: كلها عصا مكنسة!
قال: نداء المذيع. موجه نحو عرب الضفة، أن يرفعوا الأعلام البيضاء استسلامًا أمام الاحتلال الإسرائيلي. فما شأنك أنت في ذلك في حيفا، التي هي في قلب الدولة ولا أحد يعتبرها مدينة محتلة?
قلت: زيادة الخير خير!
قال: بل إشارة إلى أنك تعتبرها مدينة محتلة، فتدعو إلى فصلها عن الدولة.
قلت: إن هذا التأويل لم يدر في خاطري أبدًا.
قال: إننا لا نأخذكم على ما يدور في خواطركم بل على ما يدور في خاطر الرجل الكبير. وهو يرى أن العلم الأبيض، الذي رفعته على سطح بيتك في حيفا، هو دليل على أنك تقوم بحركة انفصالية عن الدولة ولا تعترف بها.
قلت: أنك تعلم علم اليقين أنني مفرط في خدمة الأمن ولا أفرط به.
قال: أصبح الرجل الكبير يعتقد بأن إفراطك هو تمويه على تفريطك. ويستعيد الرجل الكبير أصلك وفصلك أدلة على أنك تتغابى ولكنك لست بغبي. فلماذا لم تعشق سوى (يعاد )ولم تتزوج سوى (باقية) ولم تنجب سوى (ولاء)!
قلت: ألم يسأل الرجل الكبير لماذا لم أولد سوى عربي ولماذا لم أجد وطنًا سوى هذه البلاد?
قال: قم معي واسأله.
ولكنهم أخذوني إلى غور بيسان وزجوا بي في سجن شطة الرهيب.
حديث شطط في الطريق إلى سجن شطة

لم يشأ الرجل الكبير إلاّ أن يصحبني إلى بيت خالتي فيسلمني إلى مدير السجن تسليم اليد باليد. فنحن، الذين ورثتنا الدولة عن آبائنا، تظل مراتبنا عالية ولو في قاووش السجن. كقولك نبيل فقد الحظوة في البلاط فأبعد إلى جزيرة سيشل.
أو هكذا أوهمت نفسي حتى أركبوني في سيارة البوليس المقفلة، الرجل الكبير مع السائق الكبير، وأنا محشور مع ستة من رجال الشرطة فيما يشبه عربة الكلاب. فلما أقفلوا الباب قلت: صونا لسمعتي. فلما تأففوا من شدة الحر، وكنا في آب الهباب، تأففت معهم. فانهالوا عليّ لكمًا ورفسًا وأنا أصيح: النجدة النجدة أيها الرجل الكبير. ولفظتها بلغة عبرية فصحى لأقنعهم بعلو كعبي وحتى أقوم من تحت أكعابهم. فتوقفت السيارة.
فإذا نحن على مفترق الطرق بين الناصرة ونهلال. وقد عرجنا على طريق المرج، مرج ابن عامر. وكان الرجل الكبير يؤشر لهم، من وراء الزجاج الفاصل ما بينه وبين عربة الكلاب، فأنزلوني وحشروني إلى جانبه، بينه وبين السائق. فاسترحت وتنهدت، استنشقت الهواء النقي وقلت: مرج ابن عامر.
فزجرني وقال: بل سهل يزراعيل.
قلت مراضيًا: (وما يهم الاسم) كما قال شكسبير? وقلتها بالإنجليزية.
فقال مهمهمًا: وتروي عن شكسبير أيضًا?
فاسترخيت مبتسمًا.
فزجرني وهمهم بصوت مسموع أن هِم: هِم. ولو كنت أعلم بما وراء هذه الهمهمة لحفظت شكسبير في قلبي لا عن ظهر قلب.
وفيما نحن نوغل في طريق المرج متوجهين نحو مدينة العفولة المرجية، وأكتاف تلال الناصرة إلى يسارنا، أخذ الرجل الكبير يلقنني مبادئ حياتي الجديدة في السجن، وأصول التأدب مع السجانين من فوقي ومع السجناء من تحتى. وذلك بعد أن وعدني بترقيتي همزة وصل.
وكنت، كلما أمعن في هذا التلقين، أزداد يقينا أنه لا فرق بين ما هو مطلوب منا في السجن وما هو مطلوب منا خارجه حتى صحت من شدة الاستحسان: ما شاء الله!
وكان يقول: إذا ناداك السجان فليكن أول جوابك - نعم يا سيدي! فإذا انتهرك السجان فعليك الاكتفاء بأمرك يا سيدي! وإذا سمعت من زملائك المسجونين كلامًا فيه أي مساس بأمن السجن، ولو تأويلاً، فعليك أن تشي بهم إلى المدير. فإذا ضربك مدير السجن فقل له..
فقاطعته هاتفًا: حقك يا سيدي!
قال: كيف علمت? وهل كنت مسجونًا قبل أن نسجنك?
قلت: حاش، يا سيدي، أن يسبقكم أحد إلى هذا الفضل. إنما وجدت أن سجونكم، عطفًا على ما شرحته من أصول التأدب في سجونكم، هي من الإنسانية والرحمة في معاملة المسجونين بحيث لا تختلفون فيها عنكم خارجها في معاملتنا، ولا نختلف. فبأي شيء تعاقبون العرب المذنبين يا سيدي?
قال: هذا هو ما يحيرنا. ولذلك قال الوفنا الوزير أن احتلالنا هو أرحم احتلال ظهر على وجه الأرض منذ تحررت الجنة من احتلال آدم وحواء.
بل إن هناك من كبارنا كبارًا يعتقدون بأننا نعامل العرب داخل السجون معاملة أفضل منها خارج السجون، والأخيرة ممتازة كما تعلم. وهؤلاء الكبار موقنون أننا بذلك نشجعهم على الاستمرار في مقاومة رسالتنا الحضارية في المناطق الجديدة، مثلهم مثل الأفريقيين آكلة لحوم البشر الذين كفروا بالنعمة.
قلت: كيف، يا معلمي الكبير?
قال: خذ لك مثلاً عقاب الإبعاد إلى ما وراء النهر. فنحن ننزله بهم وهم خارج السجن. فإذا دخلوا السجن ثبتوا فيه ثبوت الاحتلال الإنجليزي.
قلت: ما شاء الله!
قال: ونهدم بيوتهم خارج السجن. أما في داخلها فيعمرون وينشئون.
قلت: ما شاء الله! ولكن، ماذا يعمرون?
قال: سجونًا جديدة وزنازين جديدة في السجون القديمة ويزرعون من حولها الأشجار الظليلة.
قلت: ما شاء الله! ولكن، لماذا تهدمون بيوتهم خارج السجون?
قال: لنقطع دابر الجرذان التي عششت فيها فننقذهم من الطاعون.
قلت: ما شاء الله! وكيف كان ذلك?
قال: هذا هو التبرير الإنساني الخالص لوجه وزارة الصحة، الذي أورده وزير الدفاع عما اضطررنا إليه من هدم بيوت قري الجفتلك، في الغور، وردًا على الاتهامات التي قذفها في وجوهنا، في الكنيست، النائب الشيوعي اليهودي أجير ناصر والملك حسين وأمير الكويت والشيخ قابوس.
- أفحمه?
- بل وفحّمَه.
- كيف، ما شاء الله?
قال: منعه رئيس الجلسة عن الاستمرار في الكلام، فأفحمه. إن الدمقراطية، يا ولد، ليست فوضى. والشيوعيون، كما تري، فوضويون. فرفض نائبهم الانصياع لأحكام الدمقراطية فطرده الرئيس من الجلسة طردًا، ففحمه.
قلت: ما شاء الله!
وذلك حين كانت سيارة البوليس تخرج بنا من مدينة العفولة المرجية على طريق بيسان متجهة نحو مقامي الجديد. وكانت نوافير الماء على الجانبين تنشر رذاذها المنعش على خضرة يانعة ونحن في أوج الصيف. فإذا بالرجل الكبير، وهو محشور معي إلى جنب السائق في عربة الكلاب، يصبح شاعرًا.
وكان يقول، وأنا أمشئل: الخضرة، على يمينك وعلى يسارك وفي كل مكان. أحيينا الموات وأمتنا الحّيات (وكان يعني الأفاعي). ولذلك أطلقنا على حدود إسرائيل القديمة اسم (الخط الأخضر). فما بعدها جبال جرداء وسهول صحراء وأرض قفراء تنادينا أن أقبلي يا جرارات المدنية!
ولو كنت معي، يا ولد، حين عبرنا طريق اللطرون نحو أورشليم، لرأيت أمامك الخط الأخضر مرسومًا بالفعل على الطبيعة نفسها بخضرة جبالنا المكسوة بأشجار الصنوبر، الشجرة تخاصر الشجرة والغصن يصافح الغصن وفي ظلها يتعانق المحبون. ثم كنت سترى، قبالة جبالنا المكسوة، جبالكم العارية حتى بلا أسمال تخفي عوراتها المكشوفة صخورًا ظلت تبكي ربع قرن حتى سحّت عنها كل التربة. دعونا نكفكف دموع الصخر وأما أنتم فلا تكفوا عن الانشغال بدموعكم وأنتم تبنون القصور في أعالي الصخور.
- ألهذا هدمتم قرى اللطرون، عمواس ويالو وبيت نوبا، وشردتم أهاليها، يا معلمي الكبير?
قال: لقد أبقينا على الدير لرهبانه، مجلبة للسائحين، وعلى المقابر لذويها، إيمانًا برب العالمين. وورثنا هذا الرحب بهذه الحرب. والذي فات مات. وهو مثل أمريكي من أصل ألماني.
وما بلغ هذا البيت من شعره حتى كانت السيارة تبلغ بنا بيوت عين جالوت التاريخية، التي أعيدت إلى أصلها التوراتي - عين حارود. وفيها عين ماء تصب في بركة أنشأها أهل الكيبوتس ويؤمها أهالي الناصرة ليبتردوا وليشتموا المغول.
فأردت أن أجاريه في شعره فشدني من شعري قائلاً: لا يكن لك فكر. لقد انتصرتم على المغول في وقعة عين جالوت لأنهم جاؤوا لينهبوا وليذهبوا. أما نحن فإذا نهبنا فننهب لنبقى. وأما أنتم فالذين يذهبون. اصرف عنك هذه الوساوس التاريخية واستعد لدخول سجن شطة.
وما أن قال هذا الكلام حتى وقع تغير فجائي في وجه الطبيعة من حوالينا. زالت الخضرة في طرفة عين فلم تعد العين ترى سوى أرض جرداء وصخور قمراء، على اليمين وعلى اليسار وعلى امتداد البصر، كأنما كنا نشاهد مسرحًا هبط في خلفه منظر وارتفع في مكانه منظر.
فقلت متهكمًا وأنا أتظاهر بالجهل بالجيوبوليتيكا: ها نحن خرجنا عن الخط الأخضر ودخلنا في خط العرب الأغبر، الذين تركوا أراضيهم أنتيكا.
فزجرني وصاح: كنت أحسبك حمارًا فإذا أنت أحمر. انظر أمامك فترى إلام ستدخل.
فنظرت أمامي فإذا ببناء ضخم ينتصب أمامي، كالغول في الصحراء. جدرانه الداخلية مطلية بالكلس الأبيض. وحوله سور عال مطلي بالدهان الأصفر، لأمر ما. وفوق سطوحه انتصبت كمائن الحرس، المشرعي السلاح، على أربعة أطرافه. فهالنا مشهد هذه القلعة الصفراء، لا خضرة ولا كسوة. وهي ناتئة، كالدمل السرطاني، على صدر أرض مريضة بالسرطان. حتى أنه لم يتمالك نفسه عن القول: سجن شطة الرهيب، ما أروعه!
فوجدتني أهمس وأنا مشرئب العنق هلعًا: ما شاء الله!
قال: مدير السجن هو الذي يشاء فانزل أوصيه بك.



__________________


:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
للفراغ ..

لأنه دوماً يجيب!!
::::::::::::::::::::::::::::::::::


متشائل غير متواجد حالياً   أرسل هذا الموضوع إلى صديق رد مع اقتباس

شكرك للكاتب يعني احترامك لذاتك

قديم 02-12-2008, 01:18 AM
#22

متشائل

كبار الشخصيات

 
الصورة الرمزية متشائل

 
تاريخ التسجيل: Mar 2007
المشاركات: 1,866
Thanks: 724
Thanked 589 Times in 103 Posts
متشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of light


افتراضي


كيف وجد سعيد نفْسه وسط حلقة عكاظية-شكسبيرية

نزلنا أمام باب السجن الحديدي فهبط العسكر من عربة الكلاب وهرع ثلاثة منهم نحوي فأحاطوا بي كالأثافي الثلاث. وأما الرجل الكبير فتصدر الموكب أمام الباب. فما أن طرقه طرقة واحدة حتى نبح كلب من الداخل فانفتح.
فإذا بمدير السجن، بلحمه وبشحمه، وهو ذو لحم وشحم كثير، يهرع لاستقبالنا وأمامه كلبه البولدوغ المدلل. هذا يهش وذاك يكش. فلاعبا الكلب تارة وتطبطبا على الظهر أخرى حتى صعدا على درج وأنا واقف في الساحة الداخلية تحيط بي الأثافي.
ثم استدعاني أحدهم فصعد بي على الدرج إلى دهليز، فدهليز آخر، فآخر، حتى أدخلني مكتب المدير فإذا بهما يرتشفان القهوة بسرور مسموع.
فهش المدير في وجهي وقال: بوصاية صديقي العزيز، الرجل الكبير، سأعاملك معاملة خاصة. ولقد علمت منه أن ماضيك أبيض ناصع البياض لا تشوبه سوى شائبة سوداء واحدة هي ذلك العلم الأبيض الناصع البياض، وأنك ولد مثقف وتروي عن شكسبير.
فانبسطت أساريري وانبسطت على مقعد.
فعاجلني بالقهوة وبالحديث عن شكسبير. فصار يتلو من خطبة أنطونيوس أمام جثمان قيصر فأتلو عليه ما غاب عن ذاكرته منها وهو يصيح: برافو، برافو! ثم قام عن مقعده وأخذ يتصنع دور عطيل وهو يقبل ديدمونة القبلة القاتلة. فاستلقيت على الأرض ديدمونة. فقال: قم، لم يحن أوان ذلك بعد! فقمت وقامت معي الهواجس.
قال: ولكننا أمام السجناء سنعاملك مثلما نعاملهم، وأنت فاهم.
قلت: فاهم يا سيدي! ونظرت إلى الرجل الكبير مطمئنًا فرد عليّ بأحسن منها.
فضغط المدير على زر فأقبل أحد الحراس. فصافحت المدير ثم صافحت الرجل الكبير الذي أوصيته بزميلي يعقوب خيرًا. وظللت أشكر هذا وألهج بحمد ذاك حتى دفعني الحارس خارج المكتب. فلما أوغلنا في الدهليز الثاني قلت في نفسي: أصبح هذا الحارس صديقي وأخي فقد عبرنا سوية في دهليزين في سجن واحد، كالمشاركة في العيش والملح. فقلت له: مدير عالي الثقافة!
قال: فعم كنتما تتحدثان?
قلت: عن شكسبير وعطيل وديدمونة.
قال: وتعرفهم?
قلت: أروي عن الأول وأستلقي كالثالثة.
قال: يا حبذا..
حتى أدخلني في غرفة معتمة خلو من النوافذ وجرداء من أي أثاث. فلما أضاء قنديل كهرباء في وسط السقف، أوهي من نار جحا، رأيتني واقفًا في وسط حلقة من السجانين العراض الطوال، كل سجان بعينين ناعستين اثنتين وبساعدين مشمرتين اثنتين وبفخذين غليظتين اثنتين وبفم واحد مفتر عن ابتسامة كشراء كأنما طبعت جميعها في قالب واحد.
فظللت أحاول أن أطبع على فمي الابتسامة نفسها فينهار الجانب اليساري من فمي، فأقومه، فينهار الجانب اليميني، فأقومه، فأحس بشفتي السفلي كلها تنهار، فأقومها، فتصطك أسناني.
وفيما أنا في هذه الرياضة الشفهية سمعت الحارس الذي اقتادني إلى هذه الغرفة العبقرية يقول لعسكر الأفخاذ: ويروي عن شكسبير أيضًا!
فكانت إشارة البدء بسوق عكاظية لم يشهد تاريخ العرب مثيلاً لها منذ أيام داحس والغبراء.
بدأها أحدهم قائلاً: شكسبرنا يا ابن الكلب! ثم لكمني لكمة مهولة. فتلقاني آخر قائلاً: خذ يا قيصر! فأخذت أتمايل نحوهم حتى ملوا اللكم فأعملوا الرفس فصرت أتدحرج تحت أقدامهم فيتداولونني فيما بين أقدامهم فأكون تارة أسرع منهم حركة فأشعر بعدة أفخاذ تنيخ على صدري دفعة واحدة. فأصرخ فلا أسمع سوى أصوات مكتومة صادرة عن ضرب ولكم ورفس لم أعد أشعر بأنها تصيبني بل أسمعها قادمة من مكان بعيد. وكانوا قد توقفوا عن إنشاد الأشعار الشكسبيرية وانصبوا على شعر الآهات: يتأوهون عزمًا فأتوه خورًا. يلهثون وألهث حتى شعرت بأحذية تقطع أنفاسي فغبت عن الوعي من شدة القهر.
وآخر ما سمعته منهم أن أهلاً وسهلاً بشكسبير. فعلق بي هذا اللقب بين زبائن السجن وفي أوساط الخريجين.
سعيد في بلاط مَلِك

كان النهار يولي الأدبار، أو هذا هو كل ما رأيته منه، حين أيقظتني يد تصافح يدي. فإذا أنا ممدد على فراش من القش في غرفة معتمة منخفضة السقف لا ينيرها سوى نور من النهار يتيم يحاشر قضبانًا حديدية متشابكة على كوة وحيدة في أعلى الحائط فلا يدخلها إلاّ جريحٌ.
وكانت اليد إلى يساري تصافح يدي وتشد عليها صبرًا.
فوجدت أنني عاجز عن تحريك أصابعي فحركت رأسي أنظر إلى يساري فغام بصري على جسم فارع الطول ممدد إلى يساري على فراش مماثل من القش، عار إلاّ من زي ربه وقد طلي بما حسبته، لأول وهلة، الدهان الأحمر القاني.
ولولا عينان اثنتان صوبتا نحوي بلا حراك ابتسامة تشجيع سرية، ولولا يد تشد على يدي أن اشتد، لحسبت أن الجسم الممدد إلى يساري جثة بلا حياة.
قلت: أهلاً! فخرجت: آها!
فسمعت صاحب الجسم الملتف بعباءة الملوك الأرجوانية يهمس: ما شأنك يا أخي?
قلت: هل هذه هي الزنزانة?
فسأل: أول مرة?
قلت: هناك غرفة بلا نوافذ..
قال: وهناك أمل بلا جدران.
قلت: وأنت?
قال: فدائي ولاجئ. وأنت?
فتحيرت في هويتي كيف أنتسب أمام هذا الجلال المسجى الذي حين يتكلم لا يئن ويتكلم حتى لا يئن. هل أقول له أنني كبش ومقيم? أم أقول له: دخلت إلى بلاطكم زحفًا?
فسترت عورتي بأنين طويل.
فتحامل على نفسه فإذا هو منتصب أمامي بقامته الفارعة حتى رأيته يحني رأسه كي لا تصطدم بالسقف أو كي ينظر إليّ.
وصاح: كف يا رجل!
قلت في نفسي: ها قد أصبحت رجلاً بعد أن ركلتني أرجل الحراس.
وكان ظاهر الشباب لم تزده عباءته الأرجوانية إلاّ شبابًا.
مالك يا أخي? لو كنا التقينا في الخارج هل كان يناديني بيا أخي? وشيء في عينيه أعادني عشرين عامًا إلى وراء، إلى ملاعب الصبا ومدارج شارع الجبل. وفي ندائه، ما لك يا أخي، سمعت صراخ (يعاد) القديمة، والعسكر يلقونها في سيارة الترحيل: هذه بلدي، داري، وهذا زوجي!
فأعولت كالأطفال.
- اصبر يا والدي..
فلم أتوقف عن البكاء. إلاّ أنه كان اعتزازًا وامتنانًا، بكاء الجندي يمنحه قائده وسام الشجاعة.
- تشجع يا والدي..
دوسي، أيتها الأحذية الضخمة على صدري! اخنقي أنفاسي! أيتها الغرفة السوداء أطبقي على جسدي العاجز! فلولاكم لما اجتمعنا من جديد. الحرس الغلاظ، لو كانوا يعلمون، هم حرس الشرف في بلاط هذا الملك. والغرفة السوداء الضيقة هي البهو المفضي إلى قاعة العرش!
أصبحت أخاه. أصبحت والده. فأعيدوا ابتساماتكم إلى قوالبها أيها العسكر!
وهزني اعتزاز لم يهزني منذ هتاف: هذا زوجي!
أنا والدك أيها الملك. فلي ولد، مثلك، إلاّ أن عباءته من مرجان البحر.
ولم أشأ أن أخبره بأنني من حيفا فيطول الشرح. فقلت: من الناصرة.
قال: أهلنا الشجعان.
ثم سأل: شيوعي، بالطبع?
قلت: بل صديق.
قال: أنعم وأكرم.
وضمد جراحي بالحديث عن جراحه. وظل يوسع في الكوة الضيقة الوحيدة حتى رأيتها في عرض الأفق الذي لم أره من قبل. وأصبحت قضبانها المتشابكة جسورًا نحو القمر، وما بين فراشي وفراشه حدائق معلقة.
وكنت أحدثه عن نفسي بما كنت أحلم به عن نفسي. وما كنت كاذبًا. إنما تحاشيت أن أدنس جلال هذا المقام بخصوصيات جردني منها السجانون حين جردوني من ملابسي الخصوصية. ها أنذا متجرد أمام متجرد. فكيف تخرج يا آدم من الجنة بمحض إرادتك?
إلاّ أن الحراس لم يمهلوني. فقد جاؤوا وأخرجوني من الجنة ونقلوني إلى القاووش.. وهو قاعة طويلة في السجن يرقد فيها السجناء متراصين كل على برشه. وهو سرير حديدي فوق فراش من القش. فبقيت عدة أيام أرتكب المخالفات لعلهم ينقلوني إلى الزنزانة فألتقي ذلك الشاب الذي ناداني بـ (يا والدي). ولكنهم لم يفعلوا.
وعلمت من السجناء أنه فدائي فلسطيني قادم من لبنان أسره العسكر جريحًا.
وقالوا أن اسمه سعيد، فقلت: عاشت الأسامي. فقالوا: ولكنه لم يتسم بشكسبير. وابتسموا مواسين. فانشغلت بتضميد جراحي وبالبحث عن سعيد الأول حتى التقيت أخته، (يعاد) الثانية، وأنا خارج من السجن مطلق السراح للمرة الثالثة.
سعيد يُنشِد أنشودة السعادة

فالذي يدخل إلى السجن، في بلادنا، يصبح حاله كحال المكوك في يد الحائك: داخل خارج. وأما حائكي فهو الرجل الكبير. لم يشفع بي ماضيّ الأبيض بل زاد سوادًا حاضري سوادًا. حتى رأيت باب السجن الحديدي بابًا بين ساحتين في سجن واحد، ساحة داخلية أتمشى فيها ساعة، فأستريح، وساحة خارجية أتمشى فيها ساعة، ثم أروح.
وفيما أنا في مدار هذا الصاروخ المكوكي جاءني الرجل الكبير مهددًا بأنهم سيظلون ورائي من سجن إلى سجن حتى أهلك حبيسًا أو طليقًا أو أن أعود إلى خدمتهم.
- حلوا عني واركبوا غيري!
- هل تتوهم أننا نجد أمثالك ملقين على قارعة الطريق?
- قضيت نصف عمري في خدمتكم. فدعوا البقية أعيشها كبقية خلق الله، لا أهش ولا أنش.
ولكنه أفهمني أن هذه الخدمة لا فكاك منها حتى بالموت.
وقال: أبوك أورثها لك وستورثها لأولادك من بعدك. وسوف يلعنونك إلاّ أن ذراعنا الطويلة ستنالهم، جيلاً بعد جيل.
وهددني بأن الناس لن يؤمنوا بتوبتي بل سيقولون أن العرق دساس وأن من شب على شيء شاب عليه، وبأنني لن أجد ملاذًا غيره. وهددني بالسجن. وهددني بالتعذيب. وهددني بالموت جوعًا.
ولكنني لم أجع. فقد بسطت، في زاوية في وادي النسناس، بسطة كنت أبيع فيها الخضار.. فإذا جاء موسم البطيخ بعته أحمر حلو المذاق على السكين.
فلما سلطوا عليّ عساكر البلدية حليت أفواههم. فلما رجمني أولاد الحارة، على اعتبار شهرتي الشهيرة، استحليتها منهم فتركوني أحل في الحارة مطمئنًا.
غير أن الرجل الكبير لم يحل عني. فاستكتب ورقة يأمرونني فيها بالإقامة الجبرية. فأخفيتها حتى يظل عساكر البلدية يجبرون بخاطري. فإذا بالرجل الكبير يرسل عساكره فيداهمونني على بسطتي، في عز الظهر، فيقتادونني إلى السجن متهمينني على رؤوس الأشهاد بأنني خالفت أمر الإقامة الجبرية وسافرت إلى شفا عمرو أتسوق بطيخًا وأن هذا الفعل يطيح بكيان الدولة. فالذي ينقل البطيخ سرًا ينقل الفجل سرًا، وبين الفجل والقنابل اليدوية مجرد لونه الأحمر. والأحمر، على كل حال، ليس الأزرق والأبيض. وبالبطيخ تستطيع أن تنسف كتيبة كاملة، إذا أخفيت فيه قنابل نعل، يا بغل!
فأجابهم البغل: ولكنني أفتحها على السكين!
قالوا: والسكين أيضًا... فلما انتشر الخبر بأن ورقة الإقامة الجبرية قد جاءتني ازداد الإقبال على بسطتي حتى جاءني شاب وقد تأبط صحفًا. حيي وقال:
- جاءتك?
قلت: جاءتني منذ زمن طويل.
- فلماذا لا تقرأ الجريدة?
قلت: لأنكم لم تجيئوا.
فقمت وعلقت ورقة الإقامة الجبرية على جدار البسطة. فلم يمض يومان حتى جاءت الشرطة، وأبلغتني بأن الحاكم تلطف وألغى أمر الإقامة الجبرية. وأن دولتنا دمقراطية. ثم انتزعوا الأمر من على الجدار وأعادوني إلى السجن قائلين أنني حقرت أوراق الدولة الرسمية.
وقال كبيرهم: لو كنت في بلد عربي هل كنت تجرؤ على التباهي بورقة الإقامة الجبرية? إن دمقراطيتنا لا تصلح لكم.
وذلك وأنا في طريقي إلى السجن.
وفيما أنا خارج من الساحة الداخلية إلى الساحة الخارجية مطلق السراح، وقفت على طرف الطريق من بيسان إلى العفولة أستوقف سيارة تحملني. فإذا بسيارة خصوصية على رقمها حرف (ش) بالعبرية إشارة إلى أنها من مواليد (شخيم)، وهي نابلس لا غير، تتوقف فجأة أمامي.
ويدعوني سائقها إلى الصعود فأصعد شاكرًا.
وكان أن جلست في المقعد الخلفي وحيدًا وأنا مستوحد. وكانت فتاة جالسة إلى جانبه ولم أر منها سوى شعر فاحم السواد كشعري بلا شيب. فقلت في نفسي: أنا في ايش وفكري في ايش.
وما اجتزنا طرفًا من الطريق حتى دهمني السائق بالسؤال: كنا نعود قريبًا في سجن شطة فأخبرنا الزملاء بأنك التقيت سعيدًا. ولكن المدير أنكر وجوده. فهل تعرف له من مكان?
فانقبضت نفسي من هذا السؤال. فتحسست مقبض الباب كي أنزل من هذه السيارة الملغومة، إلاّ أنها كانت مسرعة. فأسرعت أجيب، وأنا مذهول:
- أنا سعيد!
فالتفتت الفتاة ذات الشعر الفاحم السواد نحوي لفتة زوبعية وهي تصيح:
- بل أخي سعيد.
- يعاد!
- حبيبي.
- يعاد!
أو هذا ما أحسب الآن أنه قد جرى بيننا. أما في تلك اللحظة التي كانت أقصر من اللحظة، فإنني لم أكن أسمع شيئًا، ولم أكن أري شيئًا سوى عينين خضراوين يتألق بؤبؤاهما بنور سماوي افتقدته عشرين عامًا.
لقد رأيت (يعاد)، عشرين عامًا من (يعاد) دفعة واحدة، في عينيها وفي صوتها وفي شعرها وفي قامتها. فكيف تشعر سمكة أطاحت زوبعة، دفعة واحدة، بثلج تراكم على سطح نهرها عشرين عامًا? يا تراب القطب الجنوبي قل لهم كيف يكون شعورك لو انحسرت من فوقك ثلوج الدهر دفعة واحدة! يا لظى البراكين ارو لهم حكايتي! ويا صخر بلادي انفجر ينبوعًا!
أما أنا فانفجرت بكاء.
فأوقفا السيارة. فنزلت (يعاد) وانتقلت إلى المقعد الخلفي بالقرب مني. فأخذت يدي بين يديها فوسدتهما صدرها ثم وسدت رأسها كتفي فامتزجت دموعنا. وكان السائق يزغرد ببوق سيارته ويسير بها بطيئًا كأننا في موكب عرس.
- سعيد، سعيد.
- يعاد، يعاد.
- أخيرًا وجدته.
- ولن تفقديه أبدًا.
- كيف حاله?
- على ما ترين، يا يعاد!
واستحوذتني رغبة جامحة في أن أصفق، في أن أغني، في أن أزغرد، في أن أصرخ حتى تنهار من على صدري طبقات الخنوع والمذلة والحاجة، والصمت، نعم يا سيدي، عظيم يا سيدي، أمرك يا سيدي! فينطلق قلبي من صدري، حرًا، يطير، يحلق في أجواز النسور، ينادي على الناس: مثلكم أنا يا ناس، شجاع مثلكم، ومثلكم لي قدمان ثابتتان على الأرض وظهر مستقيم وقامة طويلة ورأس في السماء. سعيد بشجاعتي مثلكم يا ناس. (يعاد) إلى جانبي يا عالم! صغيرة كعصا الراعي، جديدة كالحلم القديم!
عشت الأعوام العشرين لوحدي. عشتها بعيدًا عن (يعاد). عشتها حتى الثمالة، حتى القعر. شربت كأسها المر كله وحدي. فلم يبق لها منه أية قطرة. أنقذتها من هذه السنوات العشرين المريرة، فبقيت (يعاد) صبية في العشرين وبدون عشريني. عادت إليّ كما كانت، هي هي، تضحك وتبكي، تتحدى وتحب، وتناديني: سعيد!
سعيد أنا يا عالم! اسمعي يا دنيا، من الخط الأخضر حتى الأفق الأزرق، القفار والحقول، القبور والسماء: لقد انطلقت خارج الساحتين حرًا، الداخلية والخارجية. أصبحت حرًا.
سعيد، أنا سعيد!
ولكنني فعلت أمرًا آخر بالمرة. فبدون أن أدري بما دفعني اندفعت ففتحت باب السيارة وألقيت بنفسي منها، ويدي بيد يعاد لا أتركها. فوقعنا على التراب الجاف وأنا غائب عن الوعي.



__________________


:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
للفراغ ..

لأنه دوماً يجيب!!
::::::::::::::::::::::::::::::::::


متشائل غير متواجد حالياً   أرسل هذا الموضوع إلى صديق رد مع اقتباس
قديم 02-12-2008, 01:20 AM
#23

متشائل

كبار الشخصيات

 
الصورة الرمزية متشائل

 
تاريخ التسجيل: Mar 2007
المشاركات: 1,866
Thanks: 724
Thanked 589 Times in 103 Posts
متشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of light


افتراضي


وجهتا نظر في مصيبة اسمها الطوق!

أيقظني عطر القرية، الذي عبق به ليلها الأنيس. فوجدتني مستلقيًا على فراش من الصوف نظيف. فتخيلت أنني نائم على صدر أمي، في بيتنا العتيق. وكانت تأتيني رائحة المونة وخابية الزيت وطين الطابون، وأصوات همس مكبوت، وأنفاس أطفال نائمين بلا كبت، وخيالات نساء قرويات، وهن رائحات غاديات يحملن أطباق الأرز المعصفر وفوقه لحم الدجاج، ومائدة خشبية منخفضة في وسط البيت العتيق.
فناديت: أماه!
فسمعت النسوة ينادين على (يعاد) أن والدها قد استيقظ. فأخذت أتلفت حولي بحثًا عن والدها فلم أعثر له على أثر.
- أين أنا?
فأخذن يحمدن الله على نجاتي وهن منسحبات خارج الغرفة بإشارة من (يعاد). وسمعتهن يرجونها أن تسرع قبل أن يبرد الطعام.
وجثت (يعاد) على الحصير إلى جانبي وقالت: صن سري بكرامة أخي سعيد.
فقلت: بل أصونك حتى من الموت!
فأخبرتني بأننا في قرية (السلكة) المرجية. وهذا الاسم غير ظاهر على الخارطة، لا لأنه زال من الوجود، ومثل هذا الأمر موجود، بل لأنه غير موجود. فقد استعرت لهذه القرية، التي آوتنا، اسم السلكة، أم سليك بن السلكة، الذي
طاف يبغي نجوة من هلاك فهلك
فالمنايـا رصد للفتى حيث سلك

وذلك حفاظًا على سر هذه القرية المرجية العجيب الذي، على الرغم من أنه جاوز الاثنين، لم يجاوز حدود القرية عشرين عامًا، عن فتى لم يطف كالسليك بن السلكة في الأرض نجوة، فهلك، بل أقام حتى شاخ، فهلك. ولكنني أفردت لهذا السر فصلاً خاصًا سأرويه عليك حين يجيء.
وأما سر (يعاد)، الذي ناشدتني أن أصونه، فهو ادعاؤها أمام مضيفنا أنني والدها.
قلت - قيل: رب أخ لك لم تلده أمك. وأنا أقول: رب والد لك لم تتزوجه أمك.
قالت: رحمها الله، أنت في ايش ونحن في ايش.
فقلت: فما أبقاك معي، إذن، وأين السائق?
فأخبرتني بأننا حين وقعنا من السيارة وكانت، سلم الله، تسير بطيئًا، غبت عن الوعي دون أذى. وأما (يعاد)، (شكرًا لك يا والدي)، فقد كنت أحوطها بذراعي فوقعت على صدري فلم تتأذ. فهرع نحونا رجال ونساء من قرية السلكة، كانوا يعملون في أراضي الكيبوتس القريبة من موقع وقعتنا، وكان على رأسهم مضيفنا أبو محمود الذي أكرم وفادتنا وسافر معنا إلى قريته، فبيته، حيث وجدوا أنني غائب عن الوعي إعياء فحسب. فتركوني أستريح حتى أتماثل.
وأما سائق السيارة، وهو صاحبها، فهو صديق كريم إلاّ أنه اضطر للعودة إلى نابلس، فإنه محظور عليه المبيت في إسرائيل وسيارته معه. وقد تركنا وهو شديد التأثر مما بدا منه من إهمال. فقد توهم أنه هو المسؤول عن سقوطنا حين لم يحكم باب السيارة إغلاقًا. فأحكمت إغلاق فمي عن هذا الوهم خوفًا من وقعة أخرى.
أما (يعاد) فآثرت البقاء معي حتى يعود إليّ رشدي، فأعيد إليها أخاها سعيدًا الذي جاءت إلى شطة من بيروت تبحث عنه.
- وسجين زندة المقيم (الذي هو أنا)، يا (يعاد)، ألا تعودين إليه?
- الآن، يا والدي، وقت العشاء. قم وأكرم الناس الكرام الذين أكرمونا.
وأقبل أهل الدار يسلمون على القادمين (من عند العرب). وكانوا يؤهلون بنا تأهيلاً عظيمًا، ويتلقفون كل كلمة نقولها بحرص شديد كما لو أنها بضاعة نادرة مهربة. وتولت يعاد الرد على أسئلتهم. وأما أنا فاكتفيت بالقيام والقعود وبيا حي الله وبالسلام عليكم، خوفًا من أن يتعثر لساني بكلمة في غير موقعها فأقع.
وكانت (يعاد) بين الرجال رجلاً. حسنها شباب، وشبابها حسن وأحسنهما إلمامها الحسن بحديث الرجال. وكنت أنظر نحوها مأخوذًا بها، فأسمع الرجال يدعون الله أن يبقيها لي فأحمده وأدعو له وأغض الطرف عن سري.
وقالوا إنهم كتموا أمرنا، ما وسعهم الكتمان، عن بقية أهل القرية حذر الوشاة وأن يكون قدومنا غير قانوني.
وأخبرنا أبو محمود، وهو رب البيت، بأن القرية وقعت، قبل عام، في الطوق سبعة أيام بحثًا عن متسللين. فلما لم يجدوهم اقتادوا أربعة عشر رجلاً إلى السجن وفكّوا الطوق عن القرية.
فما هو الطوق?
قال: يقوم البوليس بتطويق القرية ويسد منافذها ويفرض منع التجول فيها. ثم تهدر سياراته المصفحة في أزقة القرية. وينتشرون، وفي أثرهم كلاب الأثر، يدخلون البيوت ويروعون الأطفال ويدلقون خوابي الزيت على عدل الطحين خوفًا من أن يكون المتسللون قد تسللوا إلى الخوابي والعدل. فإذا سمعنا صراخًا في بيت تسللنا إليه في حلكة الليل، فليل القرية حالك، وهذا حاله عشرين عامًا، يسدلونه سترًا لهم فنتستر به عنهم، فإذا قال أهل البيت المنكوب: أخذوا سعدا! قلنا: انج سعيد! فيخترق الطوق برعاية ليلنا الساتر إما منجاة أو في طلب الرزق.
قالت: أفلا من مجير?
قال: ما من مجير سوى الشيوعيين وأهل الكيبوتس! وكنت لاحظت أن هؤلاء القرويين، ما أن يلتقوا قادمًا من (عند العرب)، حتى يحسبوه شيوعيًا أو من الحمولة. فتراهم يوسعون له من صدورهم الواسعة. فضحكت في سري ثم قلت: يا حي الله!
وأبو محمود قال: أما الشيوعيون فيجرؤ نوابهم على اختراق الطوق. فيدخلون معنا فيه مؤاسين ومشجعين أن اصمدوا. ويجمعون الحقائق. ويصيحون في الكنيست. وهو مثل البرلمان عندكم (فضحكت في سري ثم قلت: يا حي الله!) ويضطرون الوزير إلى الرد. فتخترق مصيبتنا جدار الصمت الرسمي. ويسيرون على رأس مسيرات في الناصرة وتل أبيب يهتفون في أثنائها: فكوا الطوق، فكوا الطوق، اليوم تحت وبكره فوق! وينشرون عن طوقنا في صحفهم. ويقولون لنا أن صحف الأحرار، في أنحاء العالم، تنقل عنهم فيطلق طوقنا الضمير العالمي الذي تحاول الصهيونية أن تطوقه، لولا الشيوعيون. فهل قرأتم عن طوقنا في صحف الأقطار العربية التي لم تطوقها الصهيونية?
قالت دعد، وعيناها تبرقان إيذانًا برعد: أن صحف الأقطار العربية تطوقنا بالانتصارات، كالأطواق فوق رؤوس قديسيها، فلا يبقى مكان فيها لطوقكم. وما انفكوا يطوقوننا بأطواق الانتصارات حتى اختلط الحابل بالنابل فلم تعد تفرق بينها وبين أطواق الزهور على القبور.
قال: ولكن الصهيونية تقيم الدنيا وتقعدها على خدش أصبع? فقصف الرعد. فقالت: القضية، يا سادة، هي وجهة نظر. فأنتم ترون في ما أصابكم مصيبة. أما نحن فإن الطوق هو حياتنا. تقولون: من المهد إلى اللحد. أما نحن فنقول: من الطوق إلى الطوق! فلا تنتظروا من الذين يعيشون حياتهم كلها في التطويق والتفتيش، نهب كلاب الأثر حتى ضياع الأثر، أن يشعروا بمصيبتكم التي أصبحت حياة أمة بأسرها، من الخليج حتى المحيط!
فلم أتمالك لساني إلاّ بعد أن قلت: من سواك بأخيك ما ظلم! فاشرأبت الأعناق نحوي منزعجة. فشعرت بأنني وقعت. فرحت أحيي السامر على اليمين وعلى اليسار وأنا أقول:
يا حي الله! يا حي الله!
فهمهموا بما يشبه التحية.
قالت: وأهل الكيبوتس?
قال: لا يمضي أسبوع على التطويق حتى تتوق أراضيهم إلى أيدينا الماهرة. فيتوسطون لفك الطوق فنعود إلى العمل في حقولهم.
قالت: لماذا أنتم?
قال: لأنها كانت حقولنا. أنبتناها وسوف ننبتها. تحنو علينا كما نحنو عليها. وأما هذا الحنو فقد عجزوا عن مصادرته.
فانفلت لساني من عقاله مرة أخرى. ووجدتني أصيح مندهشًا: فالخضرة نبت سواعدكم، إذن، لا كما ادّعى الرجل الكبير!
فاشرأبت الأعناق نحوي، مرة أخرى. وتهامس السامر بالسؤال: من هو الرجل الكبير?
إلاّ أن (يعاد) عاجلتهم بابتسامتها الساحرة وبأن والدها يتحدث عن ذلك الجندي، الضخم، ولذلك فهو رجل كبير، الذي دخل معه في موضوع السياسة ونحن ندخل في الضفة الغربية عبر الجسر.
وطمأنتهم (يعاد) على أننا قادمان عبر الجسر بإذن إسرائيلي رسمي. وسوف نبقى في البلاد شهرًا نقضيه بحثًا عن أخيها سعيد الذي جاءنا أنه رهين في سجن شطة.
قالوا: الرهيب..
قلت: اسألوني.. إلاّ أن هرجًا ومرجًا في الخارج أنقذاني من هذه الوقعة الأخيرة..
السرّ الذي لم يُمت بموت السرّ

رأينا مضيفينا يغدون ويعودون وقد اشتد عليهم التأهيل بنا كما لو أننا حللنا منزلهم توًا حتى ضاع، في ذلك، صوت الضوضاء في الخارج. فحاولوا أن يضيئوا وجوههم المنطبقة على أمر خطير بابتسامات ذكرتني بأغصان الشجر فوق خوذة جندي أو فوق دبابته.
وأردت أن أسأل: ما الخبر! لولا قدم (يعاد)، التي داست على رجلي، فكتمت أنفاسي.
واختفت النساء عن أعيننا. وأطفال كانوا نائمين في زاوية استيقظوا فحملوا أغطيتهم على ظهورهم وغابوا عن أنظارنا مطأطئي الرؤوس دون أن ينظروا في وجوه آبائهم.
وكان رجال، لم نرهم من قبل، يدخلون المضافة فيجلسون بعد أن يرحبوا بنا. وأما رجال الدار فكانوا يخرجون واحدًا واحدًا فلا يعودون.
سوى أبي محمود الذي تسمر في مكانه وقد أقام ظهره فلا تعرفه جالسًا أم قائمًا.
وجثا فوق صدورنا صمت ثقيل كالذي يؤذن، كما قيل، بالعاصفة. فأردت أن أقول: (هذه هي الشجرة التي تصمد لها!) لولا قدم يعاد الضاغطة بعناد على أسناني.
وأتانا من بعيد نحيب امرأة مخنوق الصدى. فاشتد ترحيب الغرباء بنا واحداً بعد واحد، في حلقة لا فكاك منها، يقومون ويقعدون فأقوم وأقعد دون أن أنجح في فك قدمي من تحت قدم (يعاد)، أو لساني المتململ من عقاله.
حتى رأيت مضيفنا يخرج، في مشية أرادها عادية فجاءت عسكرية، ثم يعود وهو يقول: لا حول ولا!
فأطلقتها: خير إن شاء الله?
قال: شيخ جليل من أهلنا وافته المنية الليلة. فتبكيه النسوة.
فلما وجدت أن كلامي محمود، سألت:
- المختار?
فأجاب شيخ من الغرباء: اختاره ربه إلى جواره وهو أرحم الراحمين.
فأوغلت في جرأتي فقلت: لو أخذهم جميعًا!
قال: كلنا إليها.
فقلت: رحمه الله. ومن خلف ما مات. وكان هاجس قد انتابني أن ما بدا على القوم من اضطراب، على أثر الهرج والمرج في الخارج، راجع إلى أن طارشا في الخارج جاء يبلغهم بحقيقة أمري. فلما استوعبت ما جاء به مضيفنا عن وفاة شيخهم تنهدت مستريحًا ووجدتني أفلت: الله سلم!
فلم تلحقني يعاد بقدمها، هذه المرة، إلاّ بعد أن قضي الأمر. والغريب في هذا الأمر أن القوم الغرباء همهموا مستحسنين دعائي وراضين عنه.
فانطلقت من تحت قدم يعاد أفسر لهم فلسفة عائلتنا، المتشائل، وأن هناك موتًا أسلم من موت، وموتًا أسلم من حياة، وأن أخي البكر، حين قطعه الونش في (بور) حيفا إربا، دفناه جثة بلا رأس.
ومرة أخرى بدرت من القوم الغرباء همهمات الاستحسان والرضى عن فلسفتي العائلية العريقة حتى انهمكت في ترتيب كلام في رأسي يليق بسؤالهم عن أصول أشجارهم العائلية لعلنا أن نلتقي في أصل أو في فرع. فكلنا من آدم.
غير أن (يعاد) أوقفتني عن هذه الرياضة الذهنية - التاريخية وهي تحوطني بذراعها وتشدني إليها شدًا خفيفًا وتهمس في أذني: عمي سعيد، عمي سعيد، جئت كي أزورك!
فصرخت: تزورين فحسب?
فأجاب مضيفنا أبو محمود: لا حاجة إلى ذلك. لقد دفناه وانقضى الأمر.
فقد ظن بأننا نتحدث عن شيخه الميت لا عن شيخنا الحي.
فسألت: الليلة?
قال: الليلة.
- ولماذا لم تنتظروا طلوع الفجر?
قال: إن فجره لا يطلع غدًا.
فعن أي فجر يتحدث، إذن? قلت، وأنا محتار: إنني لا أفهم من كلامك شيئًا.
قال: ولا هم يفهمون!
فصرخت يعاد: نحن أصدقاؤكم، فأفصح. إن الصمت يخنقكم.
قال: كل ما حوالينا، نحن أهل القرى، صامت: الأرض والدواب والمحراث. إن لغتنا هي الصمت. فنتوارثها جيلاً جيلاً. فإذا كنتم تتحدثون بهذه اللغة تفهموننا ونفهمكم.
قالت: ألا تزغردون?
قال: الأمر أعقد مما تتصورين، يا أختنا القادمة من بيروت. لقد زغردنا وزغردنا وزغردنا، مثلما لم يزغرد أحد. ولكن أعراسنا كانت تتحول، في كل مرة إلى مآتم. والذي كنا نحسبه صديقنا كان يخطف العروس ويهرب إلى بيروت!
قالت: إن أصدقاءكم. اليوم، مختلفون. فهم أصدقاء مخلصون. ألم تذكر الشيوعيين، مثلاً، بالخير?
قال: على الرأس وفوق الحاجب إلاّ أن غذاءنا الأساسي هو زيت الزيتون. نستحلي أعواد الخرفيش إلاّ أنها تنقصف. لا بأس بالبرق ولكنه لا يزيل ليلنا الصامت. سنظل نجربهم ونجربهم ونجربهم، في صمت، حتى يطعمونا من زيتونهم. صياح الديك لا يطلع الصباح. ولكن ديوكنا ستصيح حين يطلعونه. فعلى أصدقائنا أن يتعلموا النطق بلغتنا، لغة الأرض والدواب والمحراث - الصمت الدؤوب!
وكان القوم الغرباء يهزون رؤوسهم، بصمت، استحسانًا. وأحببت أن أقاطعه قائلاً: لو كان كلامك صحيحًا لكنت أنا، سعيدًا أبا النحس المتشائل، الصامت ذلا، صديق الفلاحين الأول!
لولا أنني تذكرت ماضي النابح وأنني كنت أتكلم بالوشاية ولا أصمت!
ثم أتتني خاطرة عجيبة حقًا وهي أنني، على طول باعي بالوشاية، لم أستطع أن أشي بصمت رجل صامت. فصمت!
وفيما أنا في هذه المناجاة الصامتة، بيني وبين نفسي، إذا بامرأة عجوز، هزيلة كعود ذرة جاف، تدخل علينا دامعة العينين وهي تصيح: السر مات، يا أبا محمود، فعلام تتستر!
فهرع أبو محمود نحوها وأخذها بذراعيه ودفعها محاولاً أن يخرجها إلى الخارج. فأبت. فظل يحوطها بذراعيه وقد أسند رأسه إلى صدرها وأجهش بالبكاء كالأطفال وهي تخفف عنه وتشاطره البكاء، ونحن مذهولون والقوم الغرباء ينسحبون من المضافة واحدًا واحدًا فيبتلعهم الليل البهيم وقائلهم يقول: السر مات. ولكن علينا، غدًا، أن نعيش!
قضينا تلك الليلة مستيقظين وأبو محمود يروي لنا أعجب قصة سمعناها عن شاب ضرير من أهل القرية ترك قريته، في عام 1948، مع قوافل النازحين، بلا قوافل، إلى بلاد العرب الواسعة. ثم تسلل عائدًا إلى قريته بعد قيام الدولة. فظل أهل القرية يحفظون فيما بينهم أمر عودته. فآووه وأطعموه. واحترف صناعة الحصير والمكانس. فزوجوه. وادعوا أن زوجه هي امرأة أخيه الثانية، وأن أولاده هم أولاد أخيه منها. وحفظوا السر هم وأولادهم من بعدهم فتكاثر أولاده وتكاثر حفظه السر فلم يبلغ آذان السلطة على الرغم من تكرار التطويق طول الأعوام العشرين الماضية. وكان يموت مختار ويولون مكانه مختارًا، فيختار لهم ما شاؤوا من الوشاية إلاّ هذا السر الذي أصبح كالعرق الدساس لا يدسون على بعضهم البعض به، أو كيقظة الضمير الذي يجب ألاّ يوقظ.
حتى شاخ السر فوافاه الأجل الليلة فدفنوه صمتًا وبكوا عليه صبرًا.
- ومن تكون تلك المرأة التي اقتحمت علينا المضافة?
- أم أولاده.
- ومن تكون لك?
- والدتي!
- خفف عنك. لقد عاش عمره، رحمه الله!
- ولكنني لم أعشه. كل يقول هذا والدي. أما أنا فأنكرته حتى أعيش.
- حتى يعيش.
- هذا هو سري الذي لم يمت بموته. وكان الفجر قد طلع.


__________________


:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
للفراغ ..

لأنه دوماً يجيب!!
::::::::::::::::::::::::::::::::::


متشائل غير متواجد حالياً   أرسل هذا الموضوع إلى صديق رد مع اقتباس
قديم 02-12-2008, 01:22 AM
#24

متشائل

كبار الشخصيات

 
الصورة الرمزية متشائل

 
تاريخ التسجيل: Mar 2007
المشاركات: 1,866
Thanks: 724
Thanked 589 Times in 103 Posts
متشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of light


افتراضي


عودة يُعاد إلى البيت القديم

بدأت الأمور تختلط في عقلي عن يعاد حين بدأنا بتناول طعام الإفطار، فولا مخلوطًا بالحمص، في مطعم في العفولة. فاستغربت يعاد أن يتقن اليهود، القادمون من أوروبا، هذا الفولكلور العربي. فقلت لها: بل هم قادمون من بلاد العرب ولم يتغير عليهم شيء حتى ولا الشتيمة - يَشتمون ويُشتمون بلغة الضاد.
ضحكت يعاد وشتمتني تحببًا. قلت: هل تشتم البنت والدها? قالت: بل أنت عمي وفارس أحلامي منذ الصغر.
قلت: والذي حولني، بين ليلة وضحاها، من أبيك إلى عمك، سيعيد إليك ذاكرتك الليلة. فهيا إلى حيفا نوصل ما انقطع.
وفي السيارة، التي حملتنا إلى حيفا، أخذت يعاد تلاطفني وتقول: سأفاجئك يا عمي مفاجأة. إما أن تكون سارة أو أن تكون سيئة، فأنت تحكم.
وأخذتني كما يأخذ المعلم تلميذه وأسمعتني حكاية لم أستطع تصديقها. ولكنها ظلت تحكي، وتحكي فلا أجد لحكايتها من جواب سوى: مستحيل!
قال إن أمرها اختلط عليّ. فيعاد، التي انتظرتها، هي والدتها. وقد ماتت.
- وأما أنا، يا عمي، فابنة يعاد التي انتظرتها.
- مستحيل، مستحيل!
- هل أشبهها كل هذا الشبه يا عماه?
- مستحيل، مستحيل!
وقالت إن والدتها كانت تذكرني دائمًا بالخير ولذلك سمت ابنها سعيدًا باسمي، وابنتها يعاد باسمها، (حتى إذا عدت،
يا يعاد، ستقولين له: (لم تغيرنا الغربة).
- ها نحن التقينا، يا عماه. فهل تغيرنا?
- الصبا هو الصبا ولم يتغير. لكنني أرى، ويا لمصيبتي أن الزمن الذي انتصر شبابك عليه قد انتقم من ذاكرتك. فكيف ينسى الحبيب حبه الأول، والزهرة الفجر الذي برعمها?
- هل كنت تحبها هذا الحب كله يا عماه?
- أحبك كما أحب الشيخ أن يكون ماضيه حلمًا فيستيقظ. لقد استيقظت. فكيف أجدك تهذين في المنام?
وأوغلت في أوهامي كغريق يوغل في مغارة تحت الماء يلوح له، في طرفها البعيد، سراب نور.
قلت: حين تدخل بيتي العتيق في شارع الجبل ستستيقظ.
فلما وصلنا إليه، تأبطت ذراعها وأخذت أصعد بها الدرجات، التي دحرجوها عليها من قبل عشرين عامًا، وأنا أحسب نفسي عريسًا في ساعة الدخلة.
ألقيت الأعوام العشرين الماضية في صندوق القمامة في ساحة الدرج وصعدت إلى المنزل وأنا أطير بجناحين من يعاد.
وكنت أهتف: ها نحن نعود عودة المنتصرين!
وكان الجيران يفتحون أبواب بيوتهم محيين ومستفهمين. فكانت تركض إلى جانبي وهي ترد التحية وتقول متباهية: عمي بعد غياب العمر!
فأطلقت جارة زغرودة ألحقتها الجارات الأخريات بزغاريد متلاحقة كتلاحق صفارات السفن في ميناء حيفا ليلة رأس السنة.
فلما دخلنا المنزل قالت يعاد وهي مبهورة النفس: استرح، أيها المنتصر. أما أنا فأعود أسيرة!
وسألت: لأي شيء زغردت النساء?
قلت: لعودتك.
- أسيرة?
زائرة.
- فما يفرحهم?
- السجناء يحلقون ذقونهم ويتزينون ويفرحون في يوم الزيارة.
قالت: ما هذا وقت الفرح.
- حتى فرحة الزيارة تبخلين بها على هؤلاء السجناء?
قالت: كيف تأتي الفرحة بنعمة الغازي?
فأجبت: كما ينضج الطعام بنعمة النار.
فلما سألتني: من أين أتتك هذه الحكمة?
أجبتها: من يوم ما شكسبرني حراس السجن.
وحكيت لها حكايتي معهم وكيف التقيت أخاها في الزنزانة فسمعت منه كلامًا جعلني أرى الزنزانة جنة وقضبان الكوة جسرًا نحو القمر.
فكانت تضحك تارة وتبكي تارة. وتقول: أخبرني عن يعادك? فأروي لها حكايتنا القديمة. وأقول: هنا جلسنا. وهنا، في هذه الغرفة، ظللت يا شيطانة مستيقظة تنتظرينني وأنا منكتم الأنفاس في الغرفة المجاورة، لأنني أهبل، حتى جاء العسكر.
- العسكر يطوقون الدار!
هذا ما سمعته من الجارة، التي اقتحمت علينا الباب دون استئذان فوجدتني جاثيًا على أربع تحت قدمي يعاد أمثل وقعتي الأولى عن الدرج، قبل عشرين عامًا، ويعاد تضحك.
فلم أقم من جثوتي.
في انتظار يُعاد الثالثة

وأما يعاد فجلست على مقعد ووضعت رجلاً على رجل، جلسة الرجل، وقالت: قم وناولني سيجارة ولا ترع!
- فيأخذونك كما أخذوك في تلك المرة.
- أخذوا والدتي في تلك المرة.
- فيأخذونك هذه المرة.
- الأمر هذه المرة غيره في تلك المرة.
- ولكنهم لم يتغيروا.
- إذا لم يتغيروا فهي مأساتهم. أما نحن فتغيرنا.
- لن تستطيعي أن ترديهم. وسوف يأخذونك مني.
- إلى أين?
- إلى ديار الغربة?
- بل أنا راجعة إليها، أخذوني أم تركوني. فهل لديك من حل?
- أن نختبئ لدي الجارة.
- إلى متى?
- نفعل ما فعله الشيخ الضرير في قرية السلكة.
- عشرين عامًا أخرى?
- حتى تتغير الأمور.
- فمن يغيرها?
- أخوك سعيد قال: الشعب.
- الشعب وهو مختبئ?
- أنا وأنت نختبئ. أما أخوك سعيد فيكافح.
- فيهدي الحرية إلى المختبئين?
وضحكت متهكمة ثم قالت: إذا عشت يا عمي سعيد فستكون ابن سبعين عامًا حين تلتقي يعاد الثالثة. ولن تعرفها ولن تعرفك.
وأجلستني إلى جانبها:
- هل تحبني يا عماه?
- بحنين عمري.
- وهل تحب أن تتزوجني?
- حتى لا يفرقنا الموت.
- أتزوج شيخًا في آخر عمره?
- سأعود إلى البداية.
- مستحيل!
- فكيف يؤمن أخوك بأنهم سيعودون منذ البداية?
- سمعوا ذلك من شيوخهم. والشيوخ لا تذكر من البداية سوى عنفوان الشباب، فتستحلي البداية. هل تعرف البداية، حقًا، يا عمي? ليست البداية ذكريات عذبة، فحسب، عن صنوبر فوق الكرمل أو عن بيارات فوق ظهوركم، أو عن أغاني بحارة يافا. هل كانوا حقًا يغنون?
هل تريد العودة إلى البداية حتى تبكي على أخيك، الذي قطعه الونش إربًا إربًا وهو يقطع اللقمة من الصخر، مرة ثانية ومنذ البداية?
- أخوك سعيد قال إنهم تعلموا من أخطاء من سبقهم فلن يرتكبوها.
- لو كانوا تعلموا لما تحدثوا عن العودة إلى البداية.
- من أين لك هذا الكلام الكبير يا يعاد الصغيرة?
- من عمري الكبير الذي ينتظرني.
- فهل تتركينني?
- الماء لا يترك البحر يا عماه. يتبخر ثم يعود في الشتاء. ويعود أنهارًا وجداول. ولكنه يعود.
- فهل أبقى وحيدًا?
- حتى ضرير السلكة لم يعش وحيدًا. اذهب واصنع الحصر في قرية السلكة.
ولكنني لم أذهب إلى قرية السلكة، ولم أصنع الحصر لا في السلكة ولا في غيرها.
فقد أقبل العسكر. فبقيت في موضعي بلا حراك سوى أني وضعت يدي فوق عيني فأغمضتهما حتى لا أرى النهاية كما رأيت البداية.
فشعرت وكأن أيدي العسكر تدفعني إلى الخارج وتقذفني على الدرجات. فأجدني مرتميًا في فناء الدرج. فلا أستنجد بصاحبي يعقوب هذه المرة الذي أصبح يحتاج إلى من ينجده.
وأسمع من فوق، في منزلي، صراخًا أنثويًا، وصوت لطمات وركل وجلبة. وأرى معركة حامية تدور بين يعاد والعساكر. وأراها تقاوم وتصرخ وتركل بقدمها. وأراهم يتكاثرون عليها ويدفعونها أمامهم إلى سيارة الترحيل وأسمعها، والسيارة تتحرك، تنادي: سعيد، لا يهمك فإنني عائدة!
وفتحت عيني وشهقت قائلاً: ها قد عدنا منذ البداية!
لكنني رأيت عجبًا. رأيت ضابط الشرطة يقرأ في أوراق يعاد بكل احترام. وسمعته يعتذر لها عن الأمر الجديد الصادر بإلغاء الإذن بدخولها إلى إسرائيل، وعن إلزامها بالعودة - معهم - إلى نابلس حالاً. وقال أنه عليها أن تعود، غدًا من حيث أتت، أي عبر الجسر.
وسمعتها تقول: لم أنتظر منكم غير ذلك.
فأجابها: لم ننتظر منك الإقامة في بيت سعيد.
فصاحت: هذا بلدي، داري، وهذا عمي!
قلت في نفسي: سأحفظها مؤونة للعشرين القادمة.
قال: ممنوع.
فقالت أنها لم تنتظر منهم سوى ما هم يفعلون. فكيف تنتظرون منا سوى ما نفعل?
فانحنى الضابط أمامها باحترام عسكري وهو يقول:
يا صغيرتي الحسناء لقد انتظرنا منكم أكثر مما تفعلون.
وودعتني يعاد مصافحة. ثم اقتربت بوجهها من وجهي وقالت: هل قبلت والدتي قبل رحيلها، يا عماه?
قلت: حالوا ما بيني وبينها.
قالت: إذن ضاعت عليك القبلة الثانية. ومضت.


__________________


:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
للفراغ ..

لأنه دوماً يجيب!!
::::::::::::::::::::::::::::::::::


متشائل غير متواجد حالياً   أرسل هذا الموضوع إلى صديق رد مع اقتباس
قديم 02-12-2008, 01:24 AM
#25

متشائل

كبار الشخصيات

 
الصورة الرمزية متشائل

 
تاريخ التسجيل: Mar 2007
المشاركات: 1,866
Thanks: 724
Thanked 589 Times in 103 Posts
متشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of lightمتشائل is a glorious beacon of light


افتراضي


مسك الختام، الإمساك بالخازوق

قلت لك، يا محترم، إنني لم أذهب إلى قرية السلكة ولم أصنع الحُصُر لا فيها ولا في غيرها. فالذي جرى هو أنني ذهبت وقعدت على ذلك الخازوق.
وجدتني، مرة أخرى، متربعًا وحيدًا على رأس ذلك الخازوق الذي بلا رأس. كابوس يحط على صدري ليلة ليلة، بلا انقطاع، فلا أقوى على إزاحته عن صدري أو على أن أستيقظ. خازوق في كابوس. والخازوق الحقيقي هو ذلك الوسواس، الذي لم أستطع أن أفكه عني، أن ماذا سيحل بك، يا ابن النحس، لو ظهر أنه ليس بكابوس بل خازوق واقع?
أضفت غطاء ثقيلاً إلى غطائي فاخترقته البردية. فأضفت آخر حتى السابع فاخترقتهم جميعًا. فصرخت: من لي بذات الحسن ترفع عني هذه الأغطية?
ولكن العسكر أخذوها مرة أخرى. وكنت أتمتم باسمها وألومها على مصيري لومًا شديدًا. فهي التي أقنعتني بأن خازوقي الماضي ليس بكابوس، فكيف أومن بأن خازوقي الحالي هو كابوس?
عادت (يعاد) فإذا بها ليست (يعاد). باقة ورد في عرس المستقبل وإكليل زهور ناضرة على قبر الماضي في وقت معًا. انتظرت عودتها عشرين عامًا فلما عادت قالت: لست يعادك. تركتني وحيدًا وقالت: لست وحيدًا. فلما سألتها: أتعودين? أجابت: كما يعود ماء البحر إلى البحر، في الشتاء! لقد أقبل الشتاء يا يعاد، فعودي! قالت: هذا شتاؤك وحدك.
وحدي، مرة أخرى، وفوق هذا الخازوق أنظر إلى خلق الله من فوق علوه الشاهق.
وكانوا يأتونني وحدانا.
فأتاني صديقي القديم، يعقوب. وكان حزينًا. فصحت به: الخازوق، يا صديق العمر! قال: كلنا نقعد عليه! قلت ولكنني لا أراكم! قال: ولا نحن نرى أحدًا. كلٌّ وخازوقه وحيد. وهذا هو خازوقنا المشترك. ومضى.
وأتاني الرجل الكبير. وكان مذهولاً. فصحت به: الخازوق يا عم! قال: ما هو بخازوق بل هوائي تلفزيون. صار الواحد منكم مثل الراكب في غواصة، كلما أوغلتم في العمق زدتم الهوائي ارتفاعًا. اقعد على هوائيك واسترح.
ومضى.
وأتاني الشاب الذي يتأبط الجريدة. وكان شابًا. فصحت به: الخازوق، يا ولداه! قال: الذي لا يريد أن يقعد عليه ينزل إلى الشارع معنا. لا بديل ثالث، فاختر. ومضى في الشارع.
ألا يوجد لي مكان تحت الشمس إلاّ فوق هذا الخازوق? ألاّ يوجد لديكم خازوق أقصر ارتفاعًا أقعد عليه? ربع خازوق، نصف خازوق، ثلاثة أرباع خازوق?
وأتتني يعاد الأولي فمددت لها يدي حتى أرفعها إلى فوق. فأمسكت بيدي وأخذت تشدني إلى قبر الغربة. فتشبثت بخازوقي.
وأتتني (باقية) منادية أن انزل فقد بنى لك (ولاء) إلى جانبه قصرًا من صدف البحر. فتشبثت بخازوقي. وأتاني سعيد، ابن يعاد وأخو يعاد، وهو يلوح بعباءته الأرجوانية ويناديني: تعال يا والدي أدفئك بعباءتي! فتشبثت بخازوقي.
ورأيت الشاب، الذي يتأبط الجريدة، وقد تأبط فأسًا. ثم رأيته يهوي بفأسه على قاعدة الخازوق وهو يقول: أريد أن أنقذك! فصحت به أن كف لئلا أقع. وتشبثت بخازوقي.
وفيما أنا في هذه الحيرة من أمري، وقد تقوس ظهري، إذا بهيئة رجل طويل القامة، حتى ليبلغني وأنا في موضعي العالي، يقترب مني بطيئًا كغيمة سارحة. فلم أر في وجهه سوى تجاعيد أشبه بصفحة البحر حين تلفحه نسمة شرقية. فعرفته من أول وهلة. فخفق له قلبي شوقًا. ولولا خوفي من الوقوع لأكببت عليه ألثم خده.
صحت: سيدي شيخ الفضائيين ليس لي غيرك!
قال: أعرف ذلك.
قلت: جئت في وقتك!
قال: لا أجيئكم إلاّ في وقتي.
قلت: أنقذني يا ذا المهابة.
قال: أردت أن أقول: هذا شأنكم. حين لا تطيقون احتمال واقعكم التعس ولا تطيقون دفع الثمن اللازم لتغييره تلتجئون إليّ.
إلاّ أنني أرى أن هذا الأمر أصبح شأنك وحدك. قل: إن شاء الله، واركب على ظهري ولنمض.
وفيما نحن طائران في الفضاء، وأنا محمول على ظهره أناجي أرواح أجدادي، منذ جدي الأكبر، أبجر بن أبجر حتى عمي الذي لقي كنز العائلة، وأدعوها أن تحضر، فترى، فتتباهى بابنها الفالح.
إذا بي أسمع، على الأرض من تحتي، زغاريد.
فنظرت إلى تحت. فرأيت الشاب المتأبط الجريدة، وما زال يحمل فأسه. ورأيت يعاد ورأيت أخاها سعيدًا. وأبا محمود. وأطفاله يحملون أغطيتهم على ظهورهم ويقومون. والجارات، وكنّ يزغردن. والعامل (أخت) من وادي الجمال يحمل مزودته ويذهب إلى عمله، ويعقوب وقد نزل عن خازوقه. وخالتي أم أسعد (المخصية). وحتى هي كانت تزغرد.
ورأيت يعاد ترفع رأسها إلى السماء وتشير نحونا وتقول:
حين تمضي هذه الغيمة تشرق الشمس!
للحقيقة والتاريخ

يرغب المحترم، الذي تلقى هذه الرسائل العجيبة، أن يبلغكم بأنها كانت ترد عليه مدموغة في بريد عكا. ولذلك ظل يبحث في عكا عن مصدرها حتى قادته قدماه إلى مستشفى الأمراض العقلية داخل السور على شاطئ البحر.
فرحب به المسؤولون أجمل ترحيب. وبالمناسبة طلبوا منه أن يكتب عن استيائهم الشديد من الحكومة التي تصر على إبقاء المستشفى في هذا المكان الذي كان في زمن الانتداب البريطاني سجنًا رهيبًا، وفيه غرفة الإعدام التي شنق الإنجليز فيها عددًا من محاربي منظمة (ايتسل)، أي المنظمة العسكرية القومية. وهذه الغرفة حولت، منذ قيام الدولة، إلى متحف مصون لصون ذكراهم. ومستشفى الأمراض العقلية، القائم في البناء نفسه، يسيء إلى كرامة هذا المزار.
ويدعي المحترم، الذي تلقى هذه الرسائل العجيبة. بأنه أبدي دهشته، أمام المسؤولين لخلو غرفة الإعدام، المتحف، من أي ذكر للعرب الذين شنقهم الإنجليز فيها.
فأجابوه: هذا واجب أهلهم.
قال: أين?
قالوا: ليبدأوا بأن يصونوا قبورهم.
قال: فهل يزورونها?
قالوا: تلك مسألة أخرى.
حينئذ انتقل المحترم، الذي تلقى هذه الرسائل العجيبة، إلى المسألة الأخرى، وهي المسألة التي زار مستشفى الأمراض العقلية من أجل حلها. أي معرفة من يكون سعيد أبو النحس المتشائل، هذا.
ففتشوا في دفاتر المستشفى عن نزلائه منذ قيام الدولة. فلم يهتدوا إلى هذا الاسم. فبحثوا عن أقرب الأسماء إليه فوجدوا اسمًا يثير الظن. وهو سعدي نحاس، الملقب أبو الثوم. ويقال: أبو الشوم. وقالوا: إن امرأة شابة زارت المستشفى مؤخرًا فسألت عنه معلنة أنها من أقربائه وقادمة من بيروت عبر الجسر. فأخبروها بأنه توفي منذ حوالي العام. فقالت إنه استراح وأراح.
ومضت عبر الجسر.
كذلك مضى المحترم، الذي تلقى هذه الرسائل العجيبة، وفي قلبه رغبة في أن تساعدوه في البحث عن سعيد هذا.
ولكن، أين ستبحثون?
فإذا صدقتم حكاية التجائه إلى إخوته الفضائيين ورحتم تبحثون عنه في دياميس عكا القديمة فقد يصيبكم ما أصاب المحامي مع المجنون: المحامي الذي صدق مجنونًا فراح يبحث عن كنزه المطمور، كما ادعى، في الأرض بالقرب من شجرة خروب. فظل يحفر إلى الشرق وإلى الشمال وإلى الغرب وإلى الجنوب حتى اقتلع الشجرة كلها ولم يجد كنزًا. وكان المجنون، في هذه الأثناء، يصرف وقته بطلاء حائط في المستشفي بفرشاة يغمسها بدلو بلا قاع. فلما عاد المحامي إليه يتصبب عرقًا سأله المجنون: هل اقتلعت الشجرة? قال: اقتلعتها من جذورها ولم أعثر على كنزك.
قال المجنون: إذن هات فرشاة ودلوا بلا قاع وقف إلى جانبي وادهن!
- فكيف ستعثرون عليه، يا سادة يا كرام، دون أن تتعثروا به?!...
ورأيت الشاب، الذي يتأبط الجريدة، وقد تأبط فأسًا. ثم رأيته يهوي بفأسه على قاعدة الخازوق وهو يقول: أريد أن أنقذك! فصحت به أن كف لئلا أقع. وتشبثت بخازوقي.
وفيما أنا في هذه الحيرة من أمري، وقد تقوس ظهري، إذا بهيئة رجل طويل القامة، حتى ليبلغني وأنا في موضعي العالي، يقترب مني بطيئًا كغيمة سارحة. فلم أر في وجهه سوى تجاعيد أشبه بصفحة البحر حين تلفحه نسمة شرقية. فعرفته من أول وهلة. فخفق له قلبي شوقًا. ولولا خوفي من الوقوع لأكببت عليه ألثم خده.
صحت: سيدي شيخ الفضائيين ليس لي غيرك!
قال: أعرف ذلك.
قلت: جئت في وقتك!
قال: لا أجيئكم إلاّ في وقتي.
قلت: أنقذني يا ذا المهابة.
قال: أردت أن أقول: هذا شأنكم. حين لا تطيقون احتمال واقعكم التعس ولا تطيقون دفع الثمن اللازم لتغييره تلتجئون إليّ.
إلاّ أنني أرى أن هذا الأمر أصبح شأنك وحدك. قل: إن شاء الله، واركب على ظهري ولنمض.
وفيما نحن طائران في الفضاء، وأنا محمول على ظهره أناجي أرواح أجدادي، منذ جدي الأكبر، أبجر بن أبجر حتى عمي الذي لقي كنز العائلة، وأدعوها أن تحضر، فترى، فتتباهى بابنها الفالح.
إذا بي أسمع، على الأرض من تحتي، زغاريد.
فنظرت إلى تحت. فرأيت الشاب المتأبط الجريدة، وما زال يحمل فأسه. ورأيت يعاد ورأيت أخاها سعيدًا. وأبا محمود. وأطفاله يحملون أغطيتهم على ظهورهم ويقومون. والجارات، وكنّ يزغردن. والعامل (أخت) من وادي الجمال يحمل مزودته ويذهب إلى عمله، ويعقوب وقد نزل عن خازوقه. وخالتي أم أسعد (المخصية). وحتى هي كانت تزغرد.
ورأيت يعاد ترفع رأسها إلى السماء وتشير نحونا وتقول:
حين تمضي هذه الغيمة تشرق الشمس!
للحقيقة والتاريخ

يرغب المحترم، الذي تلقى هذه الرسائل العجيبة، أن يبلغكم بأنها كانت ترد عليه مدموغة في بريد عكا. ولذلك ظل يبحث في عكا عن مصدرها حتى قادته قدماه إلى مستشفى الأمراض العقلية داخل السور على شاطئ البحر.
فرحب به المسؤولون أجمل ترحيب. وبالمناسبة طلبوا منه أن يكتب عن استيائهم الشديد من الحكومة التي تصر على إبقاء المستشفى في هذا المكان الذي كان في زمن الانتداب البريطاني سجنًا رهيبًا، وفيه غرفة الإعدام التي شنق الإنجليز فيها عددًا من محاربي منظمة (ايتسل)، أي المنظمة العسكرية القومية. وهذه الغرفة حولت، منذ قيام الدولة، إلى متحف مصون لصون ذكراهم. ومستشفى الأمراض العقلية، القائم في البناء نفسه، يسيء إلى كرامة هذا المزار.
ويدعي المحترم، الذي تلقى هذه الرسائل العجيبة. بأنه أبدي دهشته، أمام المسؤولين لخلو غرفة الإعدام، المتحف، من أي ذكر للعرب الذين شنقهم الإنجليز فيها.
فأجابوه: هذا واجب أهلهم.
قال: أين?
قالوا: ليبدأوا بأن يصونوا قبورهم.
قال: فهل يزورونها?
قالوا: تلك مسألة أخرى.
حينئذ انتقل المحترم، الذي تلقى هذه الرسائل العجيبة، إلى المسألة الأخرى، وهي المسألة التي زار مستشفى الأمراض العقلية من أجل حلها. أي معرفة من يكون سعيد أبو النحس المتشائل، هذا.
ففتشوا في دفاتر المستشفى عن نزلائه منذ قيام الدولة. فلم يهتدوا إلى هذا الاسم. فبحثوا عن أقرب الأسماء إليه فوجدوا اسمًا يثير الظن. وهو سعدي نحاس، الملقب أبو الثوم. ويقال: أبو الشوم. وقالوا: إن امرأة شابة زارت المستشفى مؤخرًا فسألت عنه معلنة أنها من أقربائه وقادمة من بيروت عبر الجسر. فأخبروها بأنه توفي منذ حوالي العام. فقالت إنه استراح وأراح.
ومضت عبر الجسر.
كذلك مضى المحترم، الذي تلقى هذه الرسائل العجيبة، وفي قلبه رغبة في أن تساعدوه في البحث عن سعيد هذا.
ولكن، أين ستبحثون?
فإذا صدقتم حكاية التجائه إلى إخوته الفضائيين ورحتم تبحثون عنه في دياميس عكا القديمة فقد يصيبكم ما أصاب المحامي مع المجنون: المحامي الذي صدق مجنونًا فراح يبحث عن كنزه المطمور، كما ادعى، في الأرض بالقرب من شجرة خروب. فظل يحفر إلى الشرق وإلى الشمال وإلى الغرب وإلى الجنوب حتى اقتلع الشجرة كلها ولم يجد كنزًا. وكان المجنون، في هذه الأثناء، يصرف وقته بطلاء حائط في المستشفي بفرشاة يغمسها بدلو بلا قاع. فلما عاد المحامي إليه يتصبب عرقًا سأله المجنون: هل اقتلعت الشجرة? قال: اقتلعتها من جذورها ولم أعثر على كنزك.
قال المجنون: إذن هات فرشاة ودلوا بلا قاع وقف إلى جانبي وادهن!
- فكيف ستعثرون عليه، يا سادة يا كرام، دون أن تتعثروا به?!...
ورأيت الشاب، الذي يتأبط الجريدة، وقد تأبط فأسًا. ثم رأيته يهوي بفأسه على قاعدة الخازوق وهو يقول: أريد أن أنقذك! فصحت به أن كف لئلا أقع. وتشبثت بخازوقي.
وفيما أنا في هذه الحيرة من أمري، وقد تقوس ظهري، إذا بهيئة رجل طويل القامة، حتى ليبلغني وأنا في موضعي العالي، يقترب مني بطيئًا كغيمة سارحة. فلم أر في وجهه سوى تجاعيد أشبه بصفحة البحر حين تلفحه نسمة شرقية. فعرفته من أول وهلة. فخفق له قلبي شوقًا. ولولا خوفي من الوقوع لأكببت عليه ألثم خده.
صحت: سيدي شيخ الفضائيين ليس لي غيرك!
قال: أعرف ذلك.
قلت: جئت في وقتك!
قال: لا أجيئكم إلاّ في وقتي.
قلت: أنقذني يا ذا المهابة.
قال: أردت أن أقول: هذا شأنكم. حين لا تطيقون احتمال واقعكم التعس ولا تطيقون دفع الثمن اللازم لتغييره تلتجئون إليّ.
إلاّ أنني أرى أن هذا الأمر أصبح شأنك وحدك. قل: إن شاء الله، واركب على ظهري ولنمض.
وفيما نحن طائران في الفضاء، وأنا محمول على ظهره أناجي أرواح أجدادي، منذ جدي الأكبر، أبجر بن أبجر حتى عمي الذي لقي كنز العائلة، وأدعوها أن تحضر، فترى، فتتباهى بابنها الفالح.
إذا بي أسمع، على الأرض من تحتي، زغاريد.
فنظرت إلى تحت. فرأيت الشاب المتأبط الجريدة، وما زال يحمل فأسه. ورأيت يعاد ورأيت أخاها سعيدًا. وأبا محمود. وأطفاله يحملون أغطيتهم على ظهورهم ويقومون. والجارات، وكنّ يزغردن. والعامل (أخت) من وادي الجمال يحمل مزودته ويذهب إلى عمله، ويعقوب وقد نزل عن خازوقه. وخالتي أم أسعد (المخصية). وحتى هي كانت تزغرد.
ورأيت يعاد ترفع رأسها إلى السماء وتشير نحونا وتقول:
حين تمضي هذه الغيمة تشرق الشمس!
للحقيقة والتاريخ

يرغب المحترم، الذي تلقى هذه الرسائل العجيبة، أن يبلغكم بأنها كانت ترد عليه مدموغة في بريد عكا. ولذلك ظل يبحث في عكا عن مصدرها حتى قادته قدماه إلى مستشفى الأمراض العقلية داخل السور على شاطئ البحر.
فرحب به المسؤولون أجمل ترحيب. وبالمناسبة طلبوا منه أن يكتب عن استيائهم الشديد من الحكومة التي تصر على إبقاء المستشفى في هذا المكان الذي كان في زمن الانتداب البريطاني سجنًا رهيبًا، وفيه غرفة الإعدام التي شنق الإنجليز فيها عددًا من محاربي منظمة (ايتسل)، أي المنظمة العسكرية القومية. وهذه الغرفة حولت، منذ قيام الدولة، إلى متحف مصون لصون ذكراهم. ومستشفى الأمراض العقلية، القائم في البناء نفسه، يسيء إلى كرامة هذا المزار.
ويدعي المحترم، الذي تلقى هذه الرسائل العجيبة. بأنه أبدي دهشته، أمام المسؤولين لخلو غرفة الإعدام، المتحف، من أي ذكر للعرب الذين شنقهم الإنجليز فيها.
فأجابوه: هذا واجب أهلهم.
قال: أين?
قالوا: ليبدأوا بأن يصونوا قبورهم.
قال: فهل يزورونها?
قالوا: تلك مسألة أخرى.
حينئذ انتقل المحترم، الذي تلقى هذه الرسائل العجيبة، إلى المسألة الأخرى، وهي المسألة التي زار مستشفى الأمراض العقلية من أجل حلها. أي معرفة من يكون سعيد أبو النحس المتشائل، هذا.
ففتشوا في دفاتر المستشفى عن نزلائه منذ قيام الدولة. فلم يهتدوا إلى هذا الاسم. فبحثوا عن أقرب الأسماء إليه فوجدوا اسمًا يثير الظن. وهو سعدي نحاس، الملقب أبو الثوم. ويقال: أبو الشوم. وقالوا: إن امرأة شابة زارت المستشفى مؤخرًا فسألت عنه معلنة أنها من أقربائه وقادمة من بيروت عبر الجسر. فأخبروها بأنه توفي منذ حوالي العام. فقالت إنه استراح وأراح.
ومضت عبر الجسر.
كذلك مضى المحترم، الذي تلقى هذه الرسائل العجيبة، وفي قلبه رغبة في أن تساعدوه في البحث عن سعيد هذا.
ولكن، أين ستبحثون?
فإذا صدقتم حكاية التجائه إلى إخوته الفضائيين ورحتم تبحثون عنه في دياميس عكا القديمة فقد يصيبكم ما أصاب المحامي مع المجنون: المحامي الذي صدق مجنونًا فراح يبحث عن كنزه المطمور، كما ادعى، في الأرض بالقرب من شجرة خروب. فظل يحفر إلى الشرق وإلى الشمال وإلى الغرب وإلى الجنوب حتى اقتلع الشجرة كلها ولم يجد كنزًا. وكان المجنون، في هذه الأثناء، يصرف وقته بطلاء حائط في المستشفي بفرشاة يغمسها بدلو بلا قاع. فلما عاد المحامي إليه يتصبب عرقًا سأله المجنون: هل اقتلعت الشجرة? قال: اقتلعتها من جذورها ولم أعثر على كنزك.
قال المجنون: إذن هات فرشاة ودلوا بلا قاع وقف إلى جانبي وادهن!
- فكيف ستعثرون عليه، يا سادة يا كرام، دون أن تتعثروا به?!...


__________________


:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
للفراغ ..

لأنه دوماً يجيب!!
::::::::::::::::::::::::::::::::::


متشائل غير متواجد حالياً   أرسل هذا الموضوع إلى صديق رد مع اقتباس
رد

أقم صلاتك قبل مماتك


« أكثر بساطة | بيروت/بنلوب/ واوصاف اخرى مطابقة »


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع: