الكتاب الثالث يعاد الثانية
صدرت في أواسط 1974
سعيد يجد نفسه فوق خازوق بلا رأس
كتب إليّ سعيد أبو النحس المتشائل، قال: جاءت النهاية حين استيقظت في ليلة بلا نهاية. فلم أجدني في فراشي. فزارتني البردية. فمددت لها يدي أبحث عن سترة فإذا بها تقبض ريح.
رأيتني جالسًا على أرض صفاح. باردة مستديرة. لا يزيد قطرها على ذراع. وكانت الريح صرصرًا والأرض قرقرًا. وقد تدلت ساقاي فوق هوة بلا قرار كما تدلّى الليف في الخريف. فرغبت في أن أريح ظهري. فإذا بالهوة من ورائي كما هي الهوة من أمامي وتحيط بي الهوة من كل جانب. فإذا تحركت هويت. فأيقنت أني جالس على رأس خازوق بلا رأس.
فصرخت: النجدة! فجاءني بها رجع الصدى واضحة حرفًا حرفًا، فعلمت أنني جالس على علو شاهق. فرحت أسلي وحشتي بمجاذبة الصدى أطراف الحديث. فكان الحديث طريفًا حتى افترت الهوة عن ابتسامة فجر أغبر كأنها العبوس.
فماذا أنا فاعل?
فناديت عليّ قائلاً: هدئ من روعك، يا ابن النحس، واجعل أمرك شورى مع عقلك. فما الذي وضعك هذا الموضع، وهل من المعقول أن تنام في فراشك مساء فتستيقظ فإذا أنت على خازوق? تأبى هذا الأمر نواميس الطبيعة وأحكام المنطق. فأنا، إذن، في حلم لا غير على الرغم من أنه حلم طويل.
فما بالي أظل قاعدًا على هذا الخازوق، تحزمني البردية ثم تنشرني لا ستر ولا ظهر ولا أنيس، ولا أنزل?
هذا خازوق في كابوس لا محالة. كابوس عن خازوق. فإذا نزلت عن الأخير نفضت الآخر عن صدري فأعود إلى فراشي وأتغطى وأتدفأ. فكيف أتردد? أخوفًا من أن أهوي من هذا العلو الشاهق إلى قاع الهوة، كبطة أردتها رصاصة صياد بط، فأتوجع فأموت?
ولكن موضعي هذا هو موضع الوهم على خازوق الوهم. فهو فيما يراه النائم من أحلام تخالف نواميس الطبيعة وأحكام المنطق. فهيا، هيا احتضن هذا الخازوق بساعديك وبساقيك وبكل ما فيك من عزم وحزم وإرادة شديدة عند الشدة، ثم اهبط عليه وئيدًا كالسنجاب.
فأزمعت أمري. فحركت ليفتيّ المتدليتين أتحسس صفحته فإذا بها ملساء كجلد الثعبان باردة مثل بروده. فأيقنت أنني لن أقوى على التشبث بهذا الثعبان. وإذا نزلت عليه فأنا واقع لا محالة في القاع، فأدق عنقي فأتوجع فأموت. فأمسكت.
واتتني حكاية الساحر الهندي الذي ينصب الحبل فيظل يرتفع في السماء حتى يغيب رأسه في الغيم فيصعد عليه حتى يغيب ثم يعود ويهبط عليه فلا يتأذي بل يسترزق. ولكنني قلت: ما أنا بساحر هندي بل مجرد عربي بقي، سحرًا، في إسرائيل.
فأردت أن أصرخ: أنا في كابوس! ثم أن أقفز، فلا يمكن أن أموت!
ولقد صرخت. إلا أنني لم أقفز. فإذا كان موضعي هذا هو موضع الوهم فوق خازوق الوهم، وفيما يراه النائم في منامه من حلم أو من كابوس، فلن يدوم الأمر طويلاً قفزت أم قعدت. وسوف أستيقظ، لا محالة، فأجدني في فراشي متغطيًا متدفئًا. فما حاجتي، إذن، إلى مسابقة الساعات، وربما الدقائق والثواني، حتى لحظة اليقظة الآتية لا محالة?
ما حاجتي إلى القفز إذا كان القعود سيقودني إلى النتيجة نفسها?
وهزتني قشعريرة من البردية كادت أن تلقيني من فوق الخازوق لولا قشعريرة خاطر لم أستطع أن أكفه عني:
فكيف إذا كان هذا هو حقيقة وليس فيما يراه النائم من حلم أو من كابوس? أما القول بأنه مخالف نواميس الطبيعة وأحكام المنطق فلا يكفيني برهانًا على أنه غير حقيقي. ألم تبحث عائلتي، عائلة المتشائل عن السعادة طي القرون في عجائب خارجة عن نواميس الطبيعة وعن أحكام المنطق? وإذا ظل أجدادي يدكون أعناقهم وهم يبحثون تحت أرجلهم عن الكنوز المطمورة، فها أنا قد وجدت ضالتي، وأنا أنظر فوق رأسي، في إخوتي الفضائيين الذين أعادوا إلى نفسي الطمأنينة فكيف ينتظر مني، من دون آبائي وأجدادي، وأنا فوق هذا الخازوق بالضبط، أن أسلم أمري إلى نواميس الطبيعة وأحكام المنطق?
ولقد بقيت على هذه الحال أترنح بين قشعريرة وقشعريرة، بردية تقيمني ومحتد عريق يقعدني، حتى التقيت (يعاد) مرة ثانية فشعرت بالدفء لأول مرة منذ ألف عام!
كيف أصبح علم الاستسلام، فوق عصا مكنسة،
علم الثورة على الدولة?
التقيت (يعاد) فيما يكون فيه اللقاء في إسرائيل - في السجن. والأصح أنني كنت خارجًا منه. أما كيف دخلت السجن فذلك حين أفرطت في الولاء حتى أصبح، في عرفهم، تفريطًا.
وذلك حين كنت أستمع، في ليلة من الليالي الست العفريتية، إلى الإذاعة العربية من محطة إسرائيل احتراسًا، فأتاني صوت المذيع وهو يدعو العرب المهزومين إلى رفع أعلام بيضاء فوق أسطحة منازلهم فيوفرها العسكر المارقون مروق السهام. فينامون في بيوتهم آمنين. فاختلط عليّ أمر هذا الأمر: أيهم يأمره المذيع - مهزوم هذه الحرب أم مهزوم رودس? قلت: انهزم أسلم عاقبة! وأقنعت نفسي بأنه إذا ظهر خطئي حملوه على حسن نيتي وبياض طويتي. فصنعت من بياض فراشي علمًا أبيض علقته على عصا المكنسة ونصبتهما على سطح بيتي، في شارع الجبل في حيفا، ولاء الإفراط في الولاء للدولة.
ويا دلالة على من تدلين! فما أن أشرف على الناس هذا الشرشف حتى شرفني معلمي يعقوب بزيارة عاطل، أي خلوًا من السلام عليكم. فلم أرد التحية. وكان يصرخ: أنزله يا بغل!
فأنزلت رأسي حتى لامست قدميه وأنا أقول: هل عينوك ملكًا على الضفة يا صاحب الجلالة?
فأخذ يعقوب بتلابيبي - أي ببجامتى - وراح يدفعني على الدرج نحو السطح وهو يشنشن: الشرشف، الشرشف! حتى بلغنا موضع المكنسة، فانتزعها، فحسبت أنه يريد أن يضربني بها، فتعاركنا راقصين رقصة العصا حتى تهاوى على حافة السطح وهو يبكي ويقول: رحت يا صديق العمر ورحت معك!
فقلت إنني رفعت الشرشف على عصا المكنسة ملبيًا أمر المذيع من محطة الإذاعة الإسرائيلية. قال: حمار، حمار!
قلت: ما شأني إذا كان حمارًا? ولماذا لا تستخدمون مذيعين سوى الحمير?
فأفهمني أن المعني بالحمار هو أنا. أما مذيعو القسم العربي في محطة الإذاعة الإسرائيلية فكلهم عرب. ولذلك أساؤوا صياغة النداء فالتبس الأمر عليك، يا أحمق!
فدافعت عن بني قومي، الذين يعملون في محطة الإذاعة، قائلاً: ما على الرسول إلاّ البلاغ. يهتفون بما يلقنون. وإذا كان رفع العلم الأبيض على عصا مكنسة يسيء إلى جلال الاستسلام فإنكم لا تجيزون لنا حمل أي سلاح سوى المكانس.
وأما إذا كانت المكانس قد أصبحت، منذ اندلاع نيران هذه الحرب، سلاحًا أبيض فتاكًا لا يجوز لنا حمله إلاّ بإذن، كبارودة الصيد التي لا يؤذن بحملها إلاّ للمخاتير وللمدمنين على الخدمة منذ الصغر، فإنني معكم أبًا عن جد. وأنت تعلم، يا صديق العمر، بإخلاصي المفرط للدولة ولأمنها ولقوانينها، ما هو معلن منها وما سوف يعلن!
وكان صديقي يعقوب يستمع إلى هذياني وهو مشدوه الفم لا يقوى على كفكفة الدمع المنسكب على وجنتيه فلا يقوى على كفي عن الهذيان.
حتى تمالك جأشه فأوضح لي ما وقعت فيه من التباس قرر رئيسنا الرجل الكبير، ذو القامة القصيرة، أنه ليس التباسًا بل نفير بشق عصا الطاعة على الدولة.
قلت: كلها عصا مكنسة!
قال: نداء المذيع. موجه نحو عرب الضفة، أن يرفعوا الأعلام البيضاء استسلامًا أمام الاحتلال الإسرائيلي. فما شأنك أنت في ذلك في حيفا، التي هي في قلب الدولة ولا أحد يعتبرها مدينة محتلة?
قلت: زيادة الخير خير!
قال: بل إشارة إلى أنك تعتبرها مدينة محتلة، فتدعو إلى فصلها عن الدولة.
قلت: إن هذا التأويل لم يدر في خاطري أبدًا.
قال: إننا لا نأخذكم على ما يدور في خواطركم بل على ما يدور في خاطر الرجل الكبير. وهو يرى أن العلم الأبيض، الذي رفعته على سطح بيتك في حيفا، هو دليل على أنك تقوم بحركة انفصالية عن الدولة ولا تعترف بها.
قلت: أنك تعلم علم اليقين أنني مفرط في خدمة الأمن ولا أفرط به.
قال: أصبح الرجل الكبير يعتقد بأن إفراطك هو تمويه على تفريطك. ويستعيد الرجل الكبير أصلك وفصلك أدلة على أنك تتغابى ولكنك لست بغبي. فلماذا لم تعشق سوى (يعاد )ولم تتزوج سوى (باقية) ولم تنجب سوى (ولاء)!
قلت: ألم يسأل الرجل الكبير لماذا لم أولد سوى عربي ولماذا لم أجد وطنًا سوى هذه البلاد?
قال: قم معي واسأله.
ولكنهم أخذوني إلى غور بيسان وزجوا بي في سجن شطة الرهيب.
حديث شطط في الطريق إلى سجن شطة
لم يشأ الرجل الكبير إلاّ أن يصحبني إلى بيت خالتي فيسلمني إلى مدير السجن تسليم اليد باليد. فنحن، الذين ورثتنا الدولة عن آبائنا، تظل مراتبنا عالية ولو في قاووش السجن. كقولك نبيل فقد الحظوة في البلاط فأبعد إلى جزيرة سيشل.
أو هكذا أوهمت نفسي حتى أركبوني في سيارة البوليس المقفلة، الرجل الكبير مع السائق الكبير، وأنا محشور مع ستة من رجال الشرطة فيما يشبه عربة الكلاب. فلما أقفلوا الباب قلت: صونا لسمعتي. فلما تأففوا من شدة الحر، وكنا في آب الهباب، تأففت معهم. فانهالوا عليّ لكمًا ورفسًا وأنا أصيح: النجدة النجدة أيها الرجل الكبير. ولفظتها بلغة عبرية فصحى لأقنعهم بعلو كعبي وحتى أقوم من تحت أكعابهم. فتوقفت السيارة.
فإذا نحن على مفترق الطرق بين الناصرة ونهلال. وقد عرجنا على طريق المرج، مرج ابن عامر. وكان الرجل الكبير يؤشر لهم، من وراء الزجاج الفاصل ما بينه وبين عربة الكلاب، فأنزلوني وحشروني إلى جانبه، بينه وبين السائق. فاسترحت وتنهدت، استنشقت الهواء النقي وقلت: مرج ابن عامر.
فزجرني وقال: بل سهل يزراعيل.
قلت مراضيًا: (وما يهم الاسم) كما قال شكسبير? وقلتها بالإنجليزية.
فقال مهمهمًا: وتروي عن شكسبير أيضًا?
فاسترخيت مبتسمًا.
فزجرني وهمهم بصوت مسموع أن هِم: هِم. ولو كنت أعلم بما وراء هذه الهمهمة لحفظت شكسبير في قلبي لا عن ظهر قلب.
وفيما نحن نوغل في طريق المرج متوجهين نحو مدينة العفولة المرجية، وأكتاف تلال الناصرة إلى يسارنا، أخذ الرجل الكبير يلقنني مبادئ حياتي الجديدة في السجن، وأصول التأدب مع السجانين من فوقي ومع السجناء من تحتى. وذلك بعد أن وعدني بترقيتي همزة وصل.
وكنت، كلما أمعن في هذا التلقين، أزداد يقينا أنه لا فرق بين ما هو مطلوب منا في السجن وما هو مطلوب منا خارجه حتى صحت من شدة الاستحسان: ما شاء الله!
وكان يقول: إذا ناداك السجان فليكن أول جوابك - نعم يا سيدي! فإذا انتهرك السجان فعليك الاكتفاء بأمرك يا سيدي! وإذا سمعت من زملائك المسجونين كلامًا فيه أي مساس بأمن السجن، ولو تأويلاً، فعليك أن تشي بهم إلى المدير. فإذا ضربك مدير السجن فقل له..
فقاطعته هاتفًا: حقك يا سيدي!
قال: كيف علمت? وهل كنت مسجونًا قبل أن نسجنك?
قلت: حاش، يا سيدي، أن يسبقكم أحد إلى هذا الفضل. إنما وجدت أن سجونكم، عطفًا على ما شرحته من أصول التأدب في سجونكم، هي من الإنسانية والرحمة في معاملة المسجونين بحيث لا تختلفون فيها عنكم خارجها في معاملتنا، ولا نختلف. فبأي شيء تعاقبون العرب المذنبين يا سيدي?
قال: هذا هو ما يحيرنا. ولذلك قال الوفنا الوزير أن احتلالنا هو أرحم احتلال ظهر على وجه الأرض منذ تحررت الجنة من احتلال آدم وحواء.
بل إن هناك من كبارنا كبارًا يعتقدون بأننا نعامل العرب داخل السجون معاملة أفضل منها خارج السجون، والأخيرة ممتازة كما تعلم. وهؤلاء الكبار موقنون أننا بذلك نشجعهم على الاستمرار في مقاومة رسالتنا الحضارية في المناطق الجديدة، مثلهم مثل الأفريقيين آكلة لحوم البشر الذين كفروا بالنعمة.
قلت: كيف، يا معلمي الكبير?
قال: خذ لك مثلاً عقاب الإبعاد إلى ما وراء النهر. فنحن ننزله بهم وهم خارج السجن. فإذا دخلوا السجن ثبتوا فيه ثبوت الاحتلال الإنجليزي.
قلت: ما شاء الله!
قال: ونهدم بيوتهم خارج السجن. أما في داخلها فيعمرون وينشئون.
قلت: ما شاء الله! ولكن، ماذا يعمرون?
قال: سجونًا جديدة وزنازين جديدة في السجون القديمة ويزرعون من حولها الأشجار الظليلة.
قلت: ما شاء الله! ولكن، لماذا تهدمون بيوتهم خارج السجون?
قال: لنقطع دابر الجرذان التي عششت فيها فننقذهم من الطاعون.
قلت: ما شاء الله! وكيف كان ذلك?
قال: هذا هو التبرير الإنساني الخالص لوجه وزارة الصحة، الذي أورده وزير الدفاع عما اضطررنا إليه من هدم بيوت قري الجفتلك، في الغور، وردًا على الاتهامات التي قذفها في وجوهنا، في الكنيست، النائب الشيوعي اليهودي أجير ناصر والملك حسين وأمير الكويت والشيخ قابوس.
- أفحمه?
- بل وفحّمَه.
- كيف، ما شاء الله?
قال: منعه رئيس الجلسة عن الاستمرار في الكلام، فأفحمه. إن الدمقراطية، يا ولد، ليست فوضى. والشيوعيون، كما تري، فوضويون. فرفض نائبهم الانصياع لأحكام الدمقراطية فطرده الرئيس من الجلسة طردًا، ففحمه.
قلت: ما شاء الله!
وذلك حين كانت سيارة البوليس تخرج بنا من مدينة العفولة المرجية على طريق بيسان متجهة نحو مقامي الجديد. وكانت نوافير الماء على الجانبين تنشر رذاذها المنعش على خضرة يانعة ونحن في أوج الصيف. فإذا بالرجل الكبير، وهو محشور معي إلى جنب السائق في عربة الكلاب، يصبح شاعرًا.
وكان يقول، وأنا أمشئل: الخضرة، على يمينك وعلى يسارك وفي كل مكان. أحيينا الموات وأمتنا الحّيات (وكان يعني الأفاعي). ولذلك أطلقنا على حدود إسرائيل القديمة اسم (الخط الأخضر). فما بعدها جبال جرداء وسهول صحراء وأرض قفراء تنادينا أن أقبلي يا جرارات المدنية!
ولو كنت معي، يا ولد، حين عبرنا طريق اللطرون نحو أورشليم، لرأيت أمامك الخط الأخضر مرسومًا بالفعل على الطبيعة نفسها بخضرة جبالنا المكسوة بأشجار الصنوبر، الشجرة تخاصر الشجرة والغصن يصافح الغصن وفي ظلها يتعانق المحبون. ثم كنت سترى، قبالة جبالنا المكسوة، جبالكم العارية حتى بلا أسمال تخفي عوراتها المكشوفة صخورًا ظلت تبكي ربع قرن حتى سحّت عنها كل التربة. دعونا نكفكف دموع الصخر وأما أنتم فلا تكفوا عن الانشغال بدموعكم وأنتم تبنون القصور في أعالي الصخور.
- ألهذا هدمتم قرى اللطرون، عمواس ويالو وبيت نوبا، وشردتم أهاليها، يا معلمي الكبير?
قال: لقد أبقينا على الدير لرهبانه، مجلبة للسائحين، وعلى المقابر لذويها، إيمانًا برب العالمين. وورثنا هذا الرحب بهذه الحرب. والذي فات مات. وهو مثل أمريكي من أصل ألماني.
وما بلغ هذا البيت من شعره حتى كانت السيارة تبلغ بنا بيوت عين جالوت التاريخية، التي أعيدت إلى أصلها التوراتي - عين حارود. وفيها عين ماء تصب في بركة أنشأها أهل الكيبوتس ويؤمها أهالي الناصرة ليبتردوا وليشتموا المغول.
فأردت أن أجاريه في شعره فشدني من شعري قائلاً: لا يكن لك فكر. لقد انتصرتم على المغول في وقعة عين جالوت لأنهم جاؤوا لينهبوا وليذهبوا. أما نحن فإذا نهبنا فننهب لنبقى. وأما أنتم فالذين يذهبون. اصرف عنك هذه الوساوس التاريخية واستعد لدخول سجن شطة.
وما أن قال هذا الكلام حتى وقع تغير فجائي في وجه الطبيعة من حوالينا. زالت الخضرة في طرفة عين فلم تعد العين ترى سوى أرض جرداء وصخور قمراء، على اليمين وعلى اليسار وعلى امتداد البصر، كأنما كنا نشاهد مسرحًا هبط في خلفه منظر وارتفع في مكانه منظر.
فقلت متهكمًا وأنا أتظاهر بالجهل بالجيوبوليتيكا: ها نحن خرجنا عن الخط الأخضر ودخلنا في خط العرب الأغبر، الذين تركوا أراضيهم أنتيكا.
فزجرني وصاح: كنت أحسبك حمارًا فإذا أنت أحمر. انظر أمامك فترى إلام ستدخل.
فنظرت أمامي فإذا ببناء ضخم ينتصب أمامي، كالغول في الصحراء. جدرانه الداخلية مطلية بالكلس الأبيض. وحوله سور عال مطلي بالدهان الأصفر، لأمر ما. وفوق سطوحه انتصبت كمائن الحرس، المشرعي السلاح، على أربعة أطرافه. فهالنا مشهد هذه القلعة الصفراء، لا خضرة ولا كسوة. وهي ناتئة، كالدمل السرطاني، على صدر أرض مريضة بالسرطان. حتى أنه لم يتمالك نفسه عن القول: سجن شطة الرهيب، ما أروعه!
فوجدتني أهمس وأنا مشرئب العنق هلعًا: ما شاء الله!
قال: مدير السجن هو الذي يشاء فانزل أوصيه بك.