غـــــــزة 00وصمــــــت القبـــــــــــــــور 00ما يبعث على الخوف أكثر فأكثر أن يتسلل الَخَدَرُ إلى نفوس المواطنين في الأقطار المحيطة بفلسطين، وأن تتحقق معهم المقولة الخطيرة والحقيرة التي أطلقها الزعيم الصهيوني الأشهر «هرتزل» في عام 1903م وهي: «سأخلق حول الدولة اليهودية المنتظرة أنظمة تحميها أكثر مما تحمي نفسها!!!»، هل ستتحقق مقولة ذلك الصهيوني الأفَّاق وتصبح الدول العربية المحيطة بالكيان الدخيل طوقاً لحمايته من الرافضين لوجوده الغريب؟ وهل من الممكن والمتوقع أن تتحول هذه الأنظمة المسماة بـ«العربية» إلى قوة تدافع عن هذا الكيان أكثر مما تدافع عن نفسها؟ وهل بدأت ملامح من ذلك الموقف في الظهور؟ أسئلة تعذب النفس وتجعل الشيطان نفسه يتبرأ من القيام بمثل هذه المهمة القذرة.
وليس بجديد القول إن الغالبية من سكان الوطن العربي لم تعد تخاف على الفلسطينيين وحدهم، بل باتت تخاف على نفسها من الوقوع في مصير مماثل، إذ ما الذي يمنع ـ في غياب الحد الأدنى من وحدة الأمة وتضامنها ـ أن تمتد يد القهر والجبروت إلى هذا القطر العربي أو ذاك وتسلبه ما يتوهم أنه يعتز به من استقلال وسيادة، وما حدث في العراق ليس بعيداً، ومأساته الفاجعة ما تزال تؤرق الضمائر، ويبدو أن لا مخرج له بعد أن تمكن الاحتلال من إخراج عفاريت الطائفية من القمقم وباتت تسرح وتمرح في أرض النهرين أو أرض النارين، كما صارت تسمى.. لقد فقد العرب اللغة المشتركة التي كانت إلى وقت قريب قادرة على أن تقول شيئاً يتفق البعض على فهم معناه ومحتواه.
ولعل المصيبة الأكبر أنه لم يعد هناك مكان لما يسمى بقيم الحق والعدل وحق الإنسان في أن يعيش على أرضه آمناً مطمئناً، بعد أن تمكنت القوى الشريرة في أكبر دولة من أن تلقي بهذه القيم في البحر وهي في طريقها إلى إقامة امبراطوريتها على أشلاء كل ما كانت الإنسانية تفاخر بالوصول إليه.
ومع ذلك فلا يبقى أمام العرب، وهم يشاهدون إخوانهم يقتلون يومياً في غزة والضفة سوى خيار الحد الأدنى من التضامن، ووضع نهاية للخلل الجذري المتمثل في النزاعات الطائفية والعرقية والمذهبية التي لم يعد يسلم من آثارها السلبية قطر عربي حتى تلك التي كانت بمثابة الأنموذج الأرقى في التجانس والتعايش عبر العصور.
مقال للدكتور عبدالعزيز المقالح