2. القرار 194
أمام هول جريمة تشريد حوالي 800 الف لاجىء فلسطيني من ديارهم, وجد المجتمع الدولي نفسه مطالبا بالتحرك لمعالجة هذه القضية بالسرعة القصوى بسبب تداعياتها وانعكاساتها العاصفة على مجمل المنطقة. فالولايات المتحدة, على سبيل المثال, وجدت في تدفق هذا العدد الكبير من اللاجئين على الدول العربية المجاورة (لبنان \ الاردن \ سوريا) خطرا يتهدد استقرار هذه الدول, باعتبارها صديقة لاميركا ومقربة منها. كما رأت في اللاجئين, دون مأوى او غذاء, أو مصادر دخل, بيئة خصبة لما تسميه واشنطن بتغلغل الافكار الشيوعية الهدامة. كما رأت في قضية اللاجئين عقبة في الوصول مع الدول العربية الى سلام مع اسرائيل, خاصة وان كل العواصم العربية المعنية بالصراع مع اسرائيل اشترطت حل قضية اللاجئين اولا, وقبل كل شيء, للوصول الى سلام مع "الدولة اليهودية".
بريطانيا, من جهتها, رأت في قضية اللاجئين الفلسطينيين مدخلا لاعادة ترميم صورتها امام العالم العربي, فتدخلت هي الاخرى لايجاد حل ما لهذه القضية. وهذا ما شكل مدخلا لتوافق دولي على تعيين مندوب عن الامم المتحدة, هو الكونت برنادوت, ليتولى بحث الوضع في الشرق الاوسط. وقد رأى برنادوت انه بدون حل قضية اللاجئين الفلسطينيين واعادتهم الى ديارهم التي هجروا منها, فمن المستحيل الوصول الى سلام في المنطقة. وقد رفع بذلك مذكرة الى الامين العام للامم المتحدة بتاريخ 16\9\1948. من جانبها رأت الحركة الصهيونية في موقف برنادوت انحيازاً للموقف العربي فدبرت له كمينا في القدس واغتالته عند احد الحواجز العسكرية اليهودية لقطع الطريق على تحركاته. وكان ذلك في 17\9\1948 اي بعد يوم واحد من رفع تقريره الى المنظمة الدولية.
وعملا بتوصية برنادوت, اتخذت الجمعية العامة للامم المتحدة في 11\12\1948 القرار رقم 194 الذي بتشكيل لجنة توفيق ووضع القدس في نظام دولي, كما قررت حق اللاجئين بالعودة الى ديارهم في سبيل تعديل الاوضاع بحيث تؤدي الى تحقيق السلام في فلسطين في المستقبل. وقد جاء في الفقرة ((11)) من القرار ما يلي:
((11)) تقرر وجوب السماح بالعودة في اقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة الى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم, ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة الى ديارهم, وعن كل مفقود او مصاب بضرر, عندما يكون من الواجب, وفقا لمبادىء القانون الدولي والانصاف, ان يعوض عن ذلك الفقدان او الضرر من قبل الحكومات او السلطات المسؤولة.
((وتصدر تعليماتها الى لجنة التوفيق بتسهيل اعادة اللاجئين وتوطينهم من جديد واعادة تأهيلهم الاقتصادي والاجتماعي, وكذلك دفع التعويضات والحافظة على الاتصال الوثيق لهيئة اغاثة الامم المتحدة للاجئين الفلسطينيين, ومن خلاله بالهيئات والولايات المتخصصة المناسبة في منظمة الامم المتحدة)).
ومنذ ولادته, تحول القرار 194 الى الاساس القانوني لحق اللاجئين في العودة الى ديارهم وممتلكاتهم, خاصة وأنه يستند بالاساس لمبادىء القانون الدولي, كما ورد في نصه.
فالقرار, وبموجب تفسيرات خبراء القانون الدولي واللجنة القانونية التابعة للامم المتحدة, شكل صونا لحق العودة. فهو يشكل في الواقع, اعترافا من المجتمع الدولي, ممثلا بالامم المتحدة, بحق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة الى ديارهم وممتلكاتهم التي هجروا منها منذ العام 1948. والى جانب كون هذا الحق تاريخيا, تثبته وتؤكده الوقائع التاريخية الدامغة وغير القابلة للنقاش او النقض او التشكيك, فإن القرار 194 منح هذا الحق التاريخي, الذي يقرره الشعب الفلسطيني لنفسه, بعداً قانونيا غير قابل هو الاخر للنقض او التشكيك.
اكد هذا القرار ان حق اللاجئين في العودة, هو حق جماعي, وفردي في الوقت نفسه. هو حق جماعي, اي انه غير قابل للتجزئة, فلا يصح الحديث عن عودة فئات من اللاجئين, وحرمان فئات اخرى من هذه العودة, فالعودة يجب ان تكون - بالضرورة - لكل اللاجئين دون استثناء. وهو حق فردي, اي انه لا يحق لاي جهة ان تنصب نفسها ناطقا باسم اللاجئين وممثلا لهم, وان تنوب عنهم في التفاوض على هذا الحق, او المساومة عليه, او التخلي عنه. وبالتالي فإن اي مشروع يدعو لاعادة فئات من اللاجئين, ولا يعيد باقي الفئات, هو مشروع ناقص, ولا يعتبر تنفيذا ناجحا للقرار 194. وان اية مفاوضات يدعي فيها الجانب الفلسطيني تمثيله للاجئين, يقدم خلالها تنازلات عن حق العودة, هي مفاوضات غير مشروعة, وباطلة قانونا, وغير ملزمة الا لمن وقع عليها.
ان قضية اللاجئين الفلسطينيين هي مكون رئيسي من مكونات القضية الوطنية الفلسطينية.لا يمكن ايجاد حل لهذه القضية دون الاعتراف بحق اللاجئين بالعودة الى ديارهم او صون هذا الحق وعدم التخلي عنه او المساومة عليه. كما تعتبر, في السياق نفسه, العودة الى الديار والممتلكات التعبير الاكثر تقدما عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بنفسه وعلى ارضه. وبالتالي تعتبر اي مقايضة بين مكونات القضية الفلسطينية وعلى حساب قضية اللاجئين باطلة قانونا, ولا قيمة لها ولا تلزم غير اصحابها. اي بتعبير اخر, يعتبر امرا غير قانوني اية محاولة للمقايضة بين قيام دولة فلسطين وبين حق العودة, او القبول بقيام دولة مستقلة مقابل التخلي عن حق العودة, وان قيام دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس لا يعتبر بنظر القانون الدولي حلا نهائيا للقضية الفلسطينية وللصراع مع اسرائيل ما لم تتم عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم وممكتلكاتهم التي هجروا منها.
حق العودة حق قانوني يكفله القانون الدولي, ولا يسقط بالتقادم مهما مر عليه الزمن. وقد عبرت عن هذا الامر الجمعية العامة للامم المتحدة, التي تصر, في كل عام, على اعادة التأكيد على القرار المذكور في دورتها العادية.
القرار 194 يملك صفة الالزام لكل الدول الاعضاء في الامم المتحدة, رغم انه صادر عن الجمعية العامة للمنظمة الدولية وليس عن مجلس أمنها. وهو يستمد صفة الالزام هذه, لكونه يعاد التأكيد عليه بأغلبية اعضاء الجمعية العامة في كل عام في الدورة العادية للامم المتحدة. كما يملك صفة الالزام, كونه واحد من القرارات ذات الصلة بقضايا الانتداب. وقد فسرت اللجنة القانونية للامم المتحد ان كافة قرارات الجمعية العامة للامم المتحدة ذات الصلة بقضايا الانتداب, تعتبر ملزمة للدول الاعضاء في المنظمة الدولية, بذات قوة الالزام التي تتمتع بها القرارات الصادرة عن مجلس الامن الدولي.
خلافا لما يدعيه البعض, فإن القرار 194 لا يخير اللاجىء الفلسطيني بين العودة او التعويض, بل إن منحاه العام ووجهته الاساسية هما حق العودة.كما يربط بين العودة والتعويض باعتبارهما يكملان بعضهما البعض. فالتعويض, عما لحق باللاجىء من خسائر مادية ومعنوية, بفعل الهجرة واللجوء, هو حق ايضا من حقوق اللاجىء, ولا يكتمل حق العودة الا بالتعويض عن هذه الخسائر. اما حديث القرار 194 عن التعويض لمن لا يرغب العودة, فهو لا يمس حق العودة لا من قريب ولا منبعيد.
واخيراً, وليس اخراً, وتأكيدا على الزامية القرار 194 الدول الاعضاء في الامم المتحدة, فقد كان من شروط المنظمة الدولية على اسرائيل, لقبولها عضوا فيها, هو الموافقة المسبقة على القرار 194. وقد بقي طلب عضوية اسرائيل في المنظمة الدولية معلقا الى ان قد مذكرة يشوبها الغموض, فسرها رجال القانون في المنظمة الدولية على انها اعتراف من اسرائيل بالقرار المذكور. واسرئيل, كما هو معلوم, الدولة الوحيدة التي وضعت لها المنظمة الدولية شرطا مسبقا لقبولها عضوا في المجتمع الدولي.
وكخلاصة علينا ان نلاحظ, ان القرار 194, في سياقه العام, ولقوته القانونية والسياسية وصفته الالزامية, ساهم في الابقاء على قضية اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة بندا حاضرا على الدوام على جدول اعمال المجتمع الدولي واهتماماته القانونية والسياسية والانسانية. وقد لعب القرار المذكور دورا كبيرا في حشد التأييد الدولي الرسمي والشعبي والمؤسساتي لقضية اللاجئين وحق العودة, ومساندتهم في مواجهة المزاعم الاسرائيلية المبنية على الخرافات والاساطير والمفاهيم العنصرية. لذا من الطبيعي القول ان صون القرار 194 والتأكيد عليه سنويا يعتبر امر بالغ الحيوية وواحدا من الاسس المثبتة للدفاع عن قضية اللاجئين وحق العودة.
سنطرح في الحلقة القدمة القرار 194 وحق العودة والعملية السياسية في المنطقة
يتبع قريبا باذن الله