ولد رائد الرّومانسية، ألفونس لامارتين، سنة 1790 بـ«ماكون» إحدى حواضر مقاطعة اللوار بفرنسا. قام في مقتبل عمره برحلة إلى إيطاليا، محج الفنانين و قلب الثّقافة النّابض في أوروبا آنذاك. التحق مبكّراً بخدمة الملك لويس الثّامن، و تزامن ذلك مع بداية تفتّق موهبته كشاعر. حاز ديوانه الأول «تأمّلاتٌ شعرية» على نجاح منقطع النّظير، و هو بحقّ أول مجموعة أعمال رومانسية في تاريخ الأدب الفرنسي.
استأثرت الموضوعات الدينية بأهميةٍ كبرى في شعر لامارتين، و هو ما يستشعره القارئ بقوّةٍ في مجموعته «تناغمات شعرية دينية» ( 1830 ). غير ان موت ابنة الشّاعر جوليا، سنة 1832، وانخراطه المتنامي في العمل السياسي كان لهما عميق الأثر في فكره و قناعاته الدّينية، حيث أصبح يُعرف بحماسه الزّائد في الدَّعوة إلى تصوُّر أكثر تحرُّراً و عدالة للمسيحيّة.
بلغ التّأثير السياسي للامارتين ذروته سنة 1898 إبّان تعيينه وزيراً للخارجية. ثم جاء الانقلاب الذي قاده نابليون الثّالث عام 1851 ليقبر طموحات لامارتين و يجبره على الانسحاب من المشهد السياسي. و بعد أن حاصرته الديون، اضطرّ الشّاعر الكبير لينجز مُكرَهاً أعمالا أدبية لم تعد تعني له الشّئ الكثير.
قضى لامارتين نحبه سنة 1869 في مدينة باريس، وسط قسوة لامبالاة الجمهور الأدبي.
تتألّف باكورة إنتاج لامارتين، «تأمّلات شعرية»، من 24 قصيدة كُتِبت بين عامي 1815 و1820، و هي أشبه ما تكون بمذكّراتٍ شخصية لما عايشه الشاعر من تجارب خلال تلك المدّة.
و لعلّ أعمق تلك التجارب تأثيراً ما حرَّكته في نفسية الشاعر سيدةٌ تُدعى «جولي شارل» و هي المرأة التي نسج حولها قصيدة البحيرة الذّائعة الصّيت.
حظيت قصائد هذا الديوان عند ظهورها برواجٍ باهرٍ، سيما في الأوساط الكاثوليكية، إلى درجة أن ملك فرنسا نفسه، و بعض حاشيته كالوزير «طاليران»، كانوا يرددون أبياتها عن ظهر قلب. أما من الناحية التاريخية، فتكتسي هذه المجموعة أهمية بالغة كذلك، اذ اعتبرها النّقاد وجمهور القرّاء - إلى جانب إبداعات «شاطوبريان» ـ فاتحة عهدٍ جديدٍ في الشعر و أول مؤلَّفٍ رومانسي خالص في الأدب الفرنسي.
يرى لامارتين أن الشاعر كائنٌ منعزلٌ وحيدٌ، و أنه أقرب ما يكون إلى الخالق من بين بني البشر.
و قد كان هذا الشاعر يعاني من حالة حزنٍ لا تكاد تنقطع و يكابد تباريح روحانية كانت إيذاناً بما عُرف فيما بعد عند فحول الشعراء الرومانسيين ب «داء العصر» (على حدّ وصف موسيه ) أو ما عبّر عنه «بودلير» بعبارة «سبلين» (أى القلق و الكآبة).
ويجدر التنبيه إلى أن الدفق الشعري عند لامارتين (المتجلّي بوضوح في قصائد «البحيرة» و«الخريف» و«الوادي») يتحلّى باهم خصائص الرومانسية، وهي كونه نابعا من تجربة شخصية تطبعها الذّاتية إلى مدى بعيد. غير أن الذّاتية المفرطة لم تمنعها من أن تمتدّ لتشمل أجيالا كاملة بتأثيرها وتخاطب كلاًّ منهم كما لو كانت تجربته الخاصّة.
كان شعر لامارتين، شأن الرومانسيين الأوائل، فيضٌ من الأحاسيس الجياشة إلى درجة المبالغة، بل لا يسع المرء أن يحمل كل المرارة المنبعثة من شكواه على محمل المعاناة الصّادقة. و لكن أليس تكثيف المشاعر وتهويل معانات الفرد و شعوره بالغربة و الوحدة هي بعينها أبلغ المؤثرات التي جعلت من مجموعة «التأملات» أكثر الدواوين رومانسية على الإطلاق ؟ للدّلالة على ما يختزنه شعر لامارتين من قدرةٍ هائلة على التّشبيه المبتَكَر و الوصف البليغ للحظاتٍ خاطفة وزاخرةٍ بالأحاسيس الموجعة، و التي لا يكاد المرء يلامسها حتى تنسلّ من بين أصابعه تاركةً وراءها فراغاً و حيرةً، آثرتُ أن أترجم مقدّمته التأمليّة الجميلة لمطوّلته الرّائعة «ذكرى الأموات». و ذلك لما تمتاز به هذه القصيدة من نفسٍ رومانسيّ أصيل ملؤه الأسى الغامض العميق الذي فجرّ في نفس الشاعر أحاسيس رقيقةٍ عذراء، فجرى بها لسان لامارتين معاني أبكار لم يطمثهنّ شاعرٌ قبله، و ما أكثر ما تكررت على ألسنة الشعراء الرومانسيين من بعده إلى درجة الابتذال.
لقد كان زمن لامارتين زمن التّغيير الذي شهد ميلاد عالمٍ جديدٍ و طرائق عيشٍ مختلفة ومشاعر مغايرة، لذا جاءت صور الشاعر و تعابيره ـ و هو المبدع الكبير ـ تقطر جدة وتفرّداً. ها هي الأوراق جفَّتْ و هَوَتْ فوق المروج
هاهي الرّيحُ هبَّتْ ردَّد الوادي صداها كالأنينِ هام طيْرُ السّنونو وحيداً فوق وجه الغدير أيقظَ الماء من نومهِ حين لامَسَ ريشُه وجهَه الحالم
اِنبرى من بين أكواخ القشّ طفلٌ
طاف بين الشُّجَيراتِ الغضَّة جَدَّ في جمع الحَطَبْ * * * * * * * * * أمْسَكَ الماءُ عن هَمْسِهِ كان همساً يَمْلأ الغابَ سحْراً
ضيَّعَتْ صوتَها الطّيرُ
واحتمت تحت أغصانٍ عاريهْ
أوشك اللّيل ان يلتقي بالغسق
والنَّجمُ ما كاد يزهو بازغاً في السَّماء
إذ سرى في الفُلْكِ يُنهي دورتَه
بين حينٍ و حينٍ يُلقي نوراً شاحِباً
واهِنٌ هذا الضّياء
* * * * * * * *
لم يعُد يحمِلُ الصّبحُ ذاتَ النّسيم
تحت هامات الضّباب المُذَهَّبْ
كان من وحي البنفسج
لونُ المساء
ذاب في لجّة الماء
وحشةُ البحرِ زادَت وَحْدتَهْ
صار قَفْراً كالصَّحارى القاحِلَهْ
لا يَرى النّاظرُ فيها قارِباً عائماً
فوقَ شطٍّ من صخورٍ ترتمي موجةٌ هادرة
تودِعُ الأرضَ شكوى كالبكاء. من مطولة لامارتين «ذكرى الاموات»
أقرأ ما كتبه لامارتين .. شاعر فرنسا الشهير
عن الرسول صلى الله عليه وسلم

من ذا الذي يجرؤ من الناحية البشرية على تشبيه
رجل من رجال التاريخ بمحمد ؟! ومن هو الرجل
الذي ظهر أعظم منه،عند النظر إلى جميع المقاييس
التي تقاس بها عظمة الإنسان؟!
أعظم حدث في حياتي هو أنني درست حياة رسول الله
محمد دراسة وافيه،وأدركت مافيا من عظمة وخلود.
أي رجل أدرك من عظمة الإنسانية مثلما أدرك محمد،
وأي إنسان بلغ من مراتب الكمال مثل ما بلغ، لقد هدم
الرسول المعتقدات الباطلة التي تتخذ واسطة بين الخالق
والمخلوق .....
وقال ايضا عن رسول الله صلى الله عليه واله وصحبه وسلم
(الفونس دا لامارتين) لا أحد يستطيع أبدا أن يتطلع، عن قصد أو عن غير قصد، إلى بلوغ ما هو أسمى من ذلك الهدف، إنه هدف يتعدى الطاقة البشرية، ألا وهو: ـ تقويض الخرافات التي تجعل حجابا بين الخالق والمخلوق، وإعادة صلة القرب المتبادل بين العبد وربه، ورد الاعتبار إلى النظرة العقلية لمقام الألوهية المقدس، وسط عالم فوضى الآلهة المشوهة التي اختلقتها أيدي ملة الإشراك. لا يمكن لإنسان أن يقدم على مشروع يتعدى حدود قوى البشر بأضعف الوسائل، وهو لا يعتمد في تصور مشروعه وإنجازه، إلا على نفسه ورجال لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد الواحدة، يعيشون في منكب من الصحراء. ما أنجز أحد أبدا في هذا العالم ثورة عارمة دائبة، في مدة قياسية كهذه، إذ لم يمض قرنان بعد البعثة حتى أخضع الإسلام، بقوته ودعوته، أقاليم جزيرة العرب الثلاثة، وفتح بعقيدة التوحيد بلاد فارس، وخراسان، وما وراء النهر، والهند الغربية، وأراضي الحبشة، والشام، ومصر، وشمال القارة الأفريقية، ومجموعة من جزر البحر المتوسط، وشبه الجزيرة الإيبيرية، وطرفا من فرنسا القديمة. فإذا كان سمو المقصد، وضعف الوسائل، ضخامة النتائج، هي السمات الثلاث لعبقرية الرجال، فمن ذا الذي يتجاسر أن يقارن محمدا بأي عظيم من عظماء التاريخ؟ ذلك أن أكثر هؤلاء لم ينجح إلا في تحريك العساكر، أو تبديل القوانين، أو تغيير الممالك؛ وإذا كانوا قد أسسوا شيئا، فلا تذكر لهم سوى صنائع ذات قوة مادية، تتهاوى غالبا قبل أن يموتوا. أما هو فقد استنفر الجيوش، وجدد الشرائع، وزعزع الدول والشعوب، وحرك ملايين البشر فوق ثلث المعمورة، وزلزل الصوامع والبيع والأرباب والملل والنحل والنظريات والعقائد، وهز الأرواح. واعتمد على كتاب صار كل حرف منه دستورا، وأسس دولة القيم الروحية فشملت شعوبا من كل الألسنة والألوان، وكتب في قلوب أهلها ـ بحروف لا تقبل الاندثار ـ كراهية عبادة الأصنام المصطنعة، ومحبة الإنابة إلى الواحد الأحد المنزه عن التجسيم. ثم دفع حماسة أبناء ملته لأخذ الثأر من العابثين بالدين السماوي، فكان فتح ثلث المعمورة على عقيدة التوحيد انتصارا معجزا، ولكنه ليس في الحقيقة معجزة لإنسان، وإنما هو معجزة انتصار العقل. كلمة التوحيد التي صدع بها ـ أمام معتقدي نظم سلالات الأرباب الأسطورية ـ، كانت شعلتها حينما تنطلق من شفتيه تلهب معابد الأوثان البالية، وتضيء الأنوار على ثلث العالم. وإن سيرة حياته، وتأملاته الفكرية، وجرأته البطولية على تسفيه عبادة آلهة قومه، وشجاعته على مواجهة شرور المشركين، وصبره على آذاهم طوال خمس عشرة سنة في مكة، وتقبله لدور الخارج عن نظام الملأ، واستعداده لمواجهة مصير الضحية بين عشيرته، وهجرته، وعمله الدؤوب على تبليغ رسالته، وجهاده مع عدم تكافؤ القوى مع عدوه، ويقينه بالنصر النهائي، وثباته الخارق للعادة عند المصائب، وحلمه عندما تكون له الغلبة، والتزامه بالقيم الروحية، وعزوفه التام عن الملك، وابتهالاته التي لا تنقطع، ومناجاته لربه، ثم موته، وانتصاره وهو في قبره، ـ إن كل هذا ـ يشهد أن هناك شيئا يسمو على الافتراء، ألا وهو: الإيمان، ذلك الإيمان الذي منحه (ص) قوة تصحيح العقيدة، تلك العقيدة التي تستند إلى أمرين هما: التوحيد، ونفي التجسيم: أحدهما يثبت وجود البارئ، والثاني يثبت أن ليس كمثله شيء. وأولهما يحطم الآلهة المختلقة بقوة السلاح، والثاني يبنى القيم الروحية بقوة الكلمة. إنه الحكيم، خطيب جوامع الكلم، الداعي إلى الله بإذنه، سراج التشريع. إنه المجاهد، فاتح مغلق أبواب الفكر، باني صرح عقيدة قوامها العقل، وطريق عبادة مجردة من الصور والأشكال، مؤسس عشرين دولة ثابتة على الأرض، ودعائم دولة روحية فرعها في السماء، هذا هو محمد، فبكل المقاييس التي نزن بها عظمة الإنسان، فمن ذا الذي يكون أعظم منه؟ -----------------