مرفق مادة تساعد حل علي السؤال الرابع من مقرر مدخل الي التخطيط والتنمية
المسألة الزراعية والفلاحية
الجذور والأبعاد ومستقبل البديل الديمقراطى
د. زهدى الشامى
تعد المسألة الزراعية فى مصر أحد القضايا الجوهرية للتطور الاقتصادى- الاجتماعى للبلاد.. ويرجع ذلك لمجموعة من الاعتبارات فى مقدمتها ضرورة توفير الغذاء لأعداد متزايدة من السكان فى ظل انفجار سكانى مستمر، وما ينبع من ذلك من أهمية تقليل الفجوة الغذائية لتخفيض الضغوط الهائلة على الميزان التجارى وميزان المدفوعات وفوق ذلك فما زالت الزراعة تعتبر مجالاً رئيسياً لتشغيل نسبة كبيرة من قوة العمل على الرغم من انخفاض مساهمتها فى الناتج الإجمالى، وما زالت نسبة كبيرة من السكان تقترب من النصف تعيش فى الريف.
فى إطار ذلك فإن البحث العلمى للمشكلة، والمرتبط بالمهام العملية للتنمية الاقتصادية يظل ضرورياً خاصة فى مواجهة نمطين من المفاهيم والنظريات للذين يعالجان القضية من منظورات وهمية زائفة.. ويرجع النمط الأول والذى يمكن رصده كثيراً فى مفردات الخطاب الحكومى إلى أفكار "الحتمية الطبيعية" المستندة على الأغلب إلى مقولات "الزيادة السكانية" و"محدودية الأرض القابلة للزراعة و"ندرة المياه".. وهى كلها تعبر عن حقائق موجودة، ولكن معالجتها خارج السياق الاقتصادى- الاجتماعى هى التى تحولها إلى دوجما مزيفة على طريقة النظريات المالتوسية. أما النمط الثانى من المفاهيم فهو ذلك المرتبط "بأوهام السوق" وتقديس قواعده وأحكامهم الأبدية وفق ذلك المنظور وهو ما يؤدى فى النهاية إلى تسطيح رؤية الواقع العالمى، وتجاهل خصوصيات وطنية بالغة الأهمية وهو ما نجد تعبيراً مكثفاً عنها فى النموذج المصرى على سبيل التحديد.
وهى تصورات تستهدف فى النهاية توجيه العملية الاقتصادية فى البلاد النامية لخدمة مصالح القوى الطبقية المتنفذة فى البلاد الرأسمالية المتقدمة.
وتستهدف هذه الورقة تقديم إجابة أولية لمجموعة من الإشكاليات والأسئلة المهمة لتلك القضية المحورية على النحو التالى:
أولاً: لتلك الأسئلة متعلق بتحديد المشكلة وحجمها وأبعادها وتطورها سواءً بوصفها مشكلة زراعية اقتصادية أو قضية فلاحية اجتماعية.
ثانيًا: فيتناول تحليل عملية تمايز وإفقار الفلاحين فى ظل السياسات الاقتصادية الاجتماعية المتبعة فى ذلك القطاع والتى شهدت تحولاً نحو الليبرالية الاقتصادية والتكيف الهيكلى.
ثالثًا:تحليل العوامل المعاكسة للمقاومة الفلاحية، وأساليب الفلاحين للتكيف المعيشى مع الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وأخيراً بروز ظاهرة المقاومة الفلاحية من جديد وأسباب إخفاقها المؤقت وإمكانيات نهوضها المستقبلى.
وأخيراً تقدم الورقة تصوراً لنقاط البرنامج الفلاحى الديموقراطى البديل سواءً فيما يتعلق بالتغيرات المقترحة فى السياسات الاقتصادية الكلية، أو فى التنظيم الذاتى للفلاحين فى إطار حركة تعاونية ديموقراطية، أو فى جوانبه المتعلقة بضرورة التكامل الإقليمى فى ظل عصر العولمة. وهى نقاط معبرة عن الأفكار الموجودة فى إطار القوى السياسية والديموقراطية المناصرة للفلاحين وتطلب المزيد من التبلور الذى يمكن تحقيقه من خلال حوار أوسع فى صفوف الفلاحين ومن خلال تفتح حركتهم ذاتها.
مظاهر أزمة الزراعة المصرية
لا يوجد اختلاف تقريباً على أن مصر تواجه مشكلة زراعية حادة وخطيرة.. ولا يوجد كثير من الاختلاف على عديد من مظاهر تلك المشكلة.... ولكن تظهر الاختلافات فى وجهات النظر، مرتبطة بالطبع بالمواقف الاجتماعية والطبقية المختلفة وعند تشخيص الأسباب أو اقتراح الحلول لمعالجة المشكلة. وهى اختلافات من شأنها أن تنعكس أيضاً على استعراض جوانبها ومظاهرها المختلفة بالتركيز على هذا المظهر أو ذاك.
أولاً: الركود المزمن أو ضعف معدلات النمو
على مدار سنواتطويلة كانت معدلات النمو فى القطاع الزراعى معدلات متدنية. ويمكن القول إن فترة الستينيات لم تشهد سوى ركود نسبى لذلك القطاع لأن معدلات النمو فيه كانت حوالى 3% سنوياً فى المتوسط، ولكن فترة التحول الاقتصادى الليبرالى فى السبعينيات شهدت على عكس المتوقع من استخدام مفاهيم سياسية وقيم ثقافية من جانب القيادة السياسية الساداتية مرتبطة "بمجتمع القرية وقيم القرية"، وعلى عكس ما كان ملموساً من دور سياسى بارز لأغنياء الريف فى مساندة التحول الساداتى الليبرالى- شهدت تلك الفترة الانفتاحية الأولى تدهوراً خطيراً فى معدلات النمو فى قطاع الزراعة حيث هبط معدل النمو فيه فى نهاية السبعينيات إلى 1.7% فقط، وهو ما يقل كثيراً عن معدل النمو السكانى. ورغم بعض التحسن النسبى بعد ذلك فإن القطاع الزراعى ظل أقل القطاعات فى أداء الاقتصاد المصرى.
فعلى مدار خطط التنمية الخمسية الثلاث منذ عام 1982 وحتى عام 1997 كان معدل النمو السنوى المتوسط فيه 2.9% فقط، وهو ما يعادل نصف المعدل العام للنمو فى الاقتصاد المصرى (انظر جدول رقم 1) ويجدر هنا أن نشير إلى أن هذا التباطؤ فى نمو قطاع الزراعة يأتى فى سياق اختلال هيكل عام فى نمط التنمية المصرى نتيجة أسبقية النمو فى القطاعات غير السلعية (قطاعات الخدمات).
جدول رقم (1)
معدل النمو السنوى المتوسط
للناتج المحلى الإجمالى بالقطاعات الاقتصادية
القطاع
معدل النمو السنوى الحقيقى خلال 15 عاماً (82/1997)
الزراعة
الصناعة
جملة القطاعات السلعية
جملة القطاعات الخدمية الإنتاجية
جملة الخدمات الاجتماعية
الإجمالى العام
2.9
7.0
4.6
4.8
5.2
4.8
المصدر: بيانات وزير الدولة للتخطيط والتعاون الدولى أمام مجلس الشعب والشورى عن خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لعام 99/2000
مساهمة قطاع الزراعة فى الناتج المحلى الإجمالى وفى قوة العمل
السنوات
الأهمية النسبية فى الناتج المحلى الإجمالى%
الأهمية النسبية % فى إجمالى قوة العمل
59/60
1977
83/84
90/91
95/96
99/2000
31.5
27.5
16.8 (سنة 84/85)
13.6
15.9
16.5
48.9%
41.5
35.2
33.2
31.5
28.6
وبالمقارنة بالبلاد الرأسمالية المتقدمة التى ترتفع فيها مساهمة القطاعات الخدمية فى الاقتصاد، فإن القضية هنا تكمن فى أن هذا التراجع فى القطاع الزراعى يأتى فى ظل انفجار سكانى مما أدى إلى تفاقم الفجوة الغذائية.... ويمكن التعرف على تراجع الأهمية النسبية لقطاع الزراعة فى الاقتصاد المصرى على ضوء قراءة مساهمته فى الناتج القومى الإجمالى أو فى توفير فرص التوظيف. فقد كان من الطبيعى أن يؤدى تباطؤ معدلات النمو فيه إلى تراجع أهميته النسبية وفقاً لهذين المؤشرين.
فقد انخفضت مساهمة قطاع الزراعة فى الناتج المحلى الإجمالى باطراد من 31.5% فى بداية الستينيات إلى 27.5% بعد إعلان سياسة الانفتاح (عام 77) وواصل الانخفاض أيضاً فيما بعد ليصل مع عام 99/2000 إلى 16.5% فقط (انظر جدول رقم 2).
وينطبق ذلك على مساهمة الزراعة فى توفير فرص التشغيل، إذ انخفضت نسبة المشتغلين بهـذا القطاع إلى قوة العمل الإجمالية من حوال نصف قوة العمل فى بداية الستينيات إلى 41.5% بعد الانفتاح الاقتصادى ووصلت مع عام 2000 إلى 28.6% فقط (انظر جدول رقم 2).
ثانياً اتساع الفجوة الغذائية
نتيجة الركود المزمن وتدنى معدلات نمو الزراعة وانخفاضها عن معدلات النمو السكانى وتزايد الاستهلاك تكونت الفجوة الغذائية واتسعت بدرجات متفاوتة فى الفترات الزمنية المختلفة حتى أصبحت إحدى المشكلات الرئيسية للاقتصاد المصرى. وقد تراجعت نسبة الاكتفاء الذاتى من الحبوب بصفة خاصة، وبينما كانت تبلغ 91% فى سنة 1956 فقد هبطت إلى 80% فى عام 1968، وتراجعت فى منتصف السبعينيات إلى حوالى 50% فقط. ويقدم الجدول رقم (3) تصوراً عن تطور الفجوة الغذائية لأهم السلع الغذائية فى السنوات الأخيرة ويتضح منه وجود فجوة كبيرة فى السلع الغذائية الرئيسية وعلى وجه الأخص الحبوب (القمح والذرة)، والبقول (الفول والعدس)، والزيوت النباتية والمسلى الصناعى، والسكر، واللحوم الحمراء.
جدول رقم (3)
النسبة المئوية للاكتفاء الذاتى من بعض السلع الغذائية
السلعة
93/94
94/95
95/96
96/97
97/98
1999
القمح
الذرة الشامية
الفول
العدس
اللحوم الحمراء
الزيوت النباتية والسمن الصناعى
السكر
الأسماك
45.9
76.0
83.5
9.6
83.2
79.6
71.9
72.2
51.4
72.1
69.7
9.4
85.7
61.1
83.6
73.2
41.0
103.3
80.5
11.0
79.4
72.7
72.0
71.3
40.8
101.6
91.7
7.3
79.2
35.5
50.9
74.3
47.9
105.1
96.6
7.0
85.8
36.0
51.0
73.1
65.8
56.6
84.1
6.8
60.6
57.6
71.2
75.7
المصدر: الكتاب السنوى للإحصاء- يونيو 2002
ثالثاً: تزايد عجز الميزان التجارى الزراعى
كان من الطبيعى أن ينعكس ما سبق على كل من الصادرات والواردات من السلع الزراعية إذ هبطت قيمة الأولى وزادت فاتورة الثانية مما أدى إلى تزايد عجز الميزان التجارى، وفقدت بالتالى الزراعة دورها التاريخى السابق باعتبارها المصدر الأول لتدفق العملات الأجنبية للاقتصاد المصرى، بل المصدر الأول لتمويل التنمية عموماً، وأصبحت على العكس سبباً لاستنزاف العملات الأجنبية.
وقد حدث تحول جوهرى فى نمط تخصص الاقتصاد المصرى فى إطار الاقتصاد الرأسمالى العالمى بالتحول من التخصص فى الزراعة وبالدرجة الأساسية زراعة القطن إلى التخصص فى إنتاج الوقود (الزيت وحالياً الغاز أيضاً) سواء بشكل مباشر أو غير مباشر (نقصد تصدير قوة العمل للاشتغال أيضاً فى البلاد النفطية العربية). وبينما كان نصيب القطن فى الصادرات المصرية فى عام 1970 يبلغ 44.7% فقد انخفض إلى 13.7% فقط فى عام 1983. وفى المقابل ارتفعت حصة البترول من 4.8% إلى 62.2%. وعلى الرغم من انخفاض صادرات البترول نتيجة الاستنزاف الشديد فى السبعينيات والثمانينيات فإن الوقود ما زال يمثل المركز الأول فى الصادرات المصرية (39.3% فى عام 2000)، كما أن خطط التصدير المستقبلية تبنى على أساس التوسع فى صادرات الغاز الطبيعى المسال بينما استمر القطن فى التراجع حيث لم يساهم فى عام 2000 إلا بنسبة 4.1% فقط من الصادرات.
ويمكن أن نرى فى ذلك التحول الكبير دلالة واضحة لتأثير التطورات الجارية فى مركز الاقتصاد الرأسمالى العالمى على التنمية الاقتصادية فى البلاد النامية، فقد تطور التخصص الزراعى فى الوقت الذى كانت تشتد فيه الحاجة فى البلاد الرأسمالية لتك المنتجات، وتراجع فى الوقت الذى تراجعت فيه تلك الحاجة وتزايد اهتمامها بقطاعها الزراعى الداخلى سواءً بتأثير الثورة العلمية فى مجال الزراعة أو بفضل انتشار السياسات الحمائية، كما أن التخصص الجديد فى إنتاج الوقود غير منفصل عن أزمة الطاقة العالمية وسعى الدول الغربية للبحث عن مصادر جديدة للطاقة. ويدعم ذلك الاستنتاج الملاحظات التى أبداها العديد من الباحثين على السياسات الغربية للمعونة والتى أشارت إلى الطبيعة التقييدية لهذه المعونات وآثارها السلبية على تطور قطاع الزراعة.
وفى الواقع حدث تراجع فى كل الصادرات الزراعية المصرية بخلاف القطن (يشمل ذلك البصل والموالح والبطاطس وقد كانت حتى السبعينيات أحد مصادر العملات الأجنبية) بينما تزايدت الواردات الغذائية باطراد وخاصة القمح والذرة والزيوت واللحوم والأسماك (انظر جدول رقم 4). وعلى ضوء بيانات الجدول المذكور يتضح أن الصادرات الزراعية فى عام 2000 كانت فى حدود 1350 مليون جنيه فقط بينما تجاوزت الواردات تسعة مليارات جنيه. وأن نسبة تغطية الصادرات الزراعية للواردات الزراعية أقل من 15% كما أن الواردات الزراعية تمثل أكثر من 20% من إجمالى الواردات، بما يعنى أن قطاع الزراعة أصبح مصدراً لاستنزاف العملات الأجنبية، وعنصراً مؤثراً فى العجز المزمن للميزان التجارى المصرى والذى يمثل مشكلة تنموية كبيرة.
جدول رقم (4)
الصادرات والواردات الزراعية عام 2000 (مليون جنيه)
صادرات زراعية
واردات زراعية
قطن خام بصل طازج بطاطس برتقال جلود البقر المدبوغة منتجات ألبان بصل مجفف أرز مبيض مقشور إجمالى الصادرات الزراعية إجمالى الصادرات 672.9 43.1 92.9 50.8 58.2 19.2 50.9 361.7 1350 16.228.5 قمح ذرة فول صويا دهون وشحوم وزيوت سكر خام تقاوى وبذور أبقار وجواميس حية لحوم أسماك ألبان عدس شاى إجمالى الواردات الزراعية إجمالى الواردات 2.122.6 1.933.5 162.1 771.7 94.2 434.6 406.2 983.2 476.3 635.6 169.8 925.8 9100 48645.4 المصدر: البنك الأهلى المصرى، النشرة الاقتصادية، العدد الثالث، المجلد الرابع والخمسون 2001.
المشكلة الزراعية: الجذور والأسباب- الأسباب الطبيعية والاقتصادية
من النظرة الأولى يمكن إرجاع المشكلة الزراعية لعوامل طبيعية: السكان والمياه والأرض... وفى الوقت الذى لا يمكن فيه إنكار أهمية هذه العوامل فإن تأثيرها فى الواقع ليس تأثيراً مطلقاً، ولا يمكن النظر إليها بشكل مجرد عن السياسات الاقتصادية والاجتماعية، حيث إن تاريخ البشرية بمجمله كان تاريخ الصراع مع الطبيعة وتطويعها لخدمة النشاط الإنسانى. وإذا كان من الضرورى رؤية خصوصية هذه العوامل فى الواقع المحلى، فإن التعامل الخلاق معها لا يمكن أن يتأتى إلا فى إطار استراتيجية تنموية تتفهم تلك الخصوصيات.
وتتجلى خصوصية المرحلة الراهنة للانتقال الديموغرافى فى مصر بالمقارنة بنظيره الأوربى فى فترة الثورة الصناعية بزيادة حدته بالمقارنة بالأخير نتيجة الاستفادة بالثورة العلمية فى مجال الطب التى خفضت نسبة الوفيات، وهكذا فبينما تضاعف سكان أوروبا 4 مرات خلال الـ 150 سنة التالية للثورة الصناعية فإن سكان مصر قد تضاعفوا منذ بداية القرن التاسع عشر وحتى الآن أكثر من 22 مرة. ومن هنا فإن الخصوصية الأخرى للانتقال الديموغرافى المصرى (وفى العالم الثالث) أنه سابق للنمو الاقتصادى وليس نتيجة للنمو الاقتصادى كما حدث فى أوربا.
ولما كان هذا الانتقال يتم أيضاً فى ظروف الاقتصاد الكولونيالى ثم الاقتصاد التابع والمشوه هيكلياً فى الوقت الراهن، فإن ذلك يترك طابعه على أجل ذلك التحول، وعلى الرغم من انخفاض معدلات الزيادة السكانية بعض الشىء بفعل التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فإن من المتوقع استمرارها لفترة حول معدلات 2% سنوياً تقريباً، وهو ما يعنى أن الاعتماد على توجهات مثل برامج تنظيم الأسرة لن يكون مجدياً بدرجة كافية لمواجهة احتياجات إطعام مزيد من السكان وتوظيف المزيد من قوة العمل، وأن تقليل الزيادة السكانية فى المقام الأخير لن يتم معالجته إلا فى إطار سياسات تنموية واعية.
من ناحية أخرى المساحة المحصولية فى مصر تبلغ 13 مليون فدان، بينما تبلغ كمية الموارد المائية من المياه العذبة المتجددة 56.9 مليار متر مكعب. وبذلك فمن المقدر أن المصرى يعيش فى الوقت الراهن على إنتاج 535 متراً مربعاً من الزمام المزروع، وعلى 895 متراً من المساحة المحصولية، أما نصيبه من المياه العذبة المتجددة فهو لا يعدو 900 متر مكعب لكافة الأغراض.
ويهمنا هنا أن نؤكد على ضوء ذلك ما سبق ذكره من أن مسألة التعامل مع العوامل الطبيعية تظل للأبد مسألة اقتصادية اجتماعية، وهذا هو ما يؤكده التاريخ المصرى ذاته القديم والحديث. وقد كانت الطفرات التى حدثت فى التاريخ الحديث مرتبطة بالجهود الإنسانية لتطويع تلك العناصر الطبيعية (قناطر وترع محمد على- سد أسوان- السد العالى) وبالتالى فيوجد أساس قوى للاعتقاد بأن تزايد حدث المشكلة الزراعية مرتبط بالسياسات الحكومية. والحقيقة الواضحة أن تباطؤ معدلات النمو الزراعى مرتبط ليس بعوامل طبيعية فقط بل بنصيب منخفض لقطاع الزراعة فى الاستثمارات (سواءً فى الرى أو الصرف أو الاستصلاح، أو التطوير إلخ). ويتبين من الجدول التالى (رقم 5) أن الزراعة هى أقل القطاعات نصيباً فى الاستثمارات الحكومية الثابتة، فهى أقل نصيباً من الصناعة، كما أن القطاعات السلعية عموماً هى أقل نصيباً من قطاعات الخدمات.
جدول رقم (5) القطاعات فى الاستثمار الثابت (%)
القطاع
83/84
90/1991
95/1996
99/2000
الزراعة
الصناعة
القطاعات الخدمية
9.5
25
47.5
11.73
-
-
8.6
19.5
52.5
13.5
20.6
52.5
المشكلة الزراعية كمشكلة اجتماعية فلاحية
تمايز الفلاحين وإفقارهم
لا يخفى على أحد هذا البعد للمشكلة الزراعية... فحتى اليمين الدولى الذى يروج للمشكلة كمشكلة تعود لأسباب طبيعية لا يخفى توجهه الاجتماعى من زاوية انتقاده لسياسات تدخل الدولة عموماً (والتى هى سياسات مصرية تقليدية راجعة لخصوصيات الزراعة النهرية التى تقتضى المركزية) والمطالبة بسياسات السوق والتى لا تعنى حرية الزراعة وحرية الإسكان فقط بل تحرير الأرض ذاتها كسلعة لصالح كبار الملاك والرأسمالية الزراعية. ذلك هو المسار العام الذى اتخذته سياسة الدولة فى مجال الزراعة على درجات متفاوتة (بشكل جزئى فى السبعينيات، وبشكل جذرى فى التسعينيات). وكنتيجة لهذه السياسات ازدادت وتيرة عملية التمايز الاجتماعى فى الريف، تلك العملية التى لم تكن قد توقفت أصلاً بعد الإصلاحات الزراعية للستينيات. وكانت تلك الإصلاحات كما يتضح من الجدول التالى (رقم 6) قد أدت لتقليص المساحات المملوكة للرأسمالية الزراعية وتوسيع قاعدة فقراء الفلاحين وصغارهم. إلا أنه من الواضح أنها لم تستطع إيقاف عملية تحول هؤلاء الفقراء إلى أشباه بروليتاريا بالإضافة إلى أنها لم تمس تقريباً القاعدة العريضة من المعدمين أصلاً.... ويرى الكثيرون أن شريحة من أغنياء الفلاحين قد استفادت منها وصارت تلك الشريحة فيما بعد قاعدة للتحول الليبرالى فى الريف وفى البلاد عموماً.
ويتضح من الجدول أن عملية التمايز الاجتماعى وإفقار الفلاحين قد اشتدت فى ظل سياسات الانفتاح الاقتصادى ثم التكيف الهيكلى.. فقد ازدادت الأراضى فى حيازة أغنياء الفلاحين والرأسمالية الزراعية من 18.2% فى عام 1974/1975 إلى 34% فى عام 2000- أيضاً ازدادت قليلاً الأراضى فى حيازة الفئات شبه البروليتارية بين نفس التاريخين من 12.4% إلى 16.38%، بينما ازدادت نسبتهم لعدد الحائزين من 26.4% إلى 58.5% أى أكثر من الضعف مما يشير إلى تحول أعداد كبيرة من فقراء وصغار الفلاحين إلى أشباه بـروليتـاريا وبالفعل فقد هبطت نسبة الأراضى التى فى حوزة هؤلاء الفلاحين بشدة من 53.6% إلى 39.3 فقط، كما هبطت نسبتهم لإجمالى الحائزين من 49.3% إلى 31.3. ولا تعليق على هذا التمايز الحاد من ثراء وتركز فى القمة وتزايد لشرائح القاع مع اضمحلال الفئات الوسطى تماماً.
حجم الحيازة الوضع الاجتماعى نسبة للمساحة نسبة لعدد الحيازات نسبة للمساحة نسبة لعدد الحيازات نسبة للمساحة نسبة لعدد الحيازات نسبة للمساحة نسبة لعدد الحيازات نسبة للمساحة نسبة لعدد الحيازات 1960
1965
1974/1975
1977/1978
2000
أقل من فدان فئات شبه بروليتارية 3.4 26.4 5.5 28.4 12.4 42.6 15.0 48.8 16.38 58.5 من فدان لأقل من 5 فدادين فقراء وصغار الفلاحين 34.4 57.7 46.2 60.0 53.6 49.3 52.1 35.6 39.2 31.3 من 5 فدادين لأقل من 10 فدادين الفلاحون المتوسطون 17.7 10.4 16.4 7.1 15.8 5.6 12.9 4.3 10.4 4.3 10 فدادين فأكثر أغنياء الفلاحين والرأسمالية الزراعية 44.5 5.5 31.9 4.2 18.2 2.5 20.0 2.3 34.0 5.8
خطوات التحول الليبرالى وأسباب الإفقار فى الريف
بدأت التحولات اليمينية فى الزراعة المصرية منذ بداية السبعينيات. وقد بدأت كتحولات جزئية حيث لعب أغنياء الفلاحين والبرجوازية الريفية دوراً مهماً فى التحول عن النهج الناصرى عموماً، ثم ازداد اكتمالها فى فترة التكيف الهيكلى فى التسعينيات.
ففى أكتوبر 1971 أصدر الرئيس السادات قراراً بتعويض الإقطاعيين السابقين عن الأراضى التى صودرت فى إصلاح 1952 قدره 70 مثل ضريبة الأطيان الزراعية بالإضافة للقيمة السوقية للمنشآت والحدائق وغيرها – وفى عام 1972 ألغى العزل السياسى على حوالى 12 ألف مواطن ممن شملتهم الإجراءات الثورية السابقة. وفى هذا العام أيضاً ألغى مجلس الأمة الحراسة على ممتلكات 1200 من العائلات المصرية الغنية. وقد ألغى السادات جميع الحراسات المتبقية فى 31 أغسطس 1981.
وفى عام 1975 تم إعادة النظر فى بعض بنود قانون الإصلاح الزراعى. وقد وافق مجلس الشعب فى 23 يونيو 1975 على السماح بنظام المزارعة (المحاصة)، وزيادة الضرائب وفئات الإيجارات الزراعية، وحق صاحب الأرض فى طرد المستأجر من الأرض فى حالة تأخره عن سداد الإيجار أكثر من شهرين، كما لغيت اللجان المحلية لفض المنازعات وأحيلت وظائفها لاختصاص القضاء العادى.
ووفقـاً للتقديرات الرسمية فقد تضاعف لذلك حجم قيمة الإيجارات الزراعية مع عام 1980، وذلك بعد تغير فئات الضريبة منذ عام 1987.
وقد تعرض الفلاحون المستأجرون أو الملاك الجدد للطرد من الأرض لأول مرة بفعل هذه الإجراءات. ومن بين 123 ألف فدان كان قد تم وضعها تحت الحراسة عاد للملاك المسابقين 66% من هذه الأراضى، بالإضافة إلى 200 ألف فدان استولت عليها لجنة تصفية بقايا الإقطاع، ويقدر عدد الفلاحين الذين طردوا من الأرض فى مصر لأول مرة خلال هذه الفترة بما لا يقل عن 40 ألف فلاح.
وقد تعرض البنيان التعاونى بشكله الذى تم إرساؤه فى العهد الناصرى أيضاً لتغيرات جوهرية فى فترة الانفتاح الأولى بهدف تفكيك بنيته. وفى سبيل ذلك صدر القرار الجمهورى رقم 824 لسنة 76 بحل الاتحاد التعاونى الزراعى وتوزيع ممتلكاته. وصدر فى نفس التاريخ القرار الجمهورى بالغاء الهيئة العامة للتعاون الزراعى. وإلغاء المؤسسة العامة للائتمان الزراعى والتعاونى. وأدخلت تعديلات أخرى على قانون التعاون رقم 51 لسنة 69 فى اتجاه التفكيك وأخيراً صدر القانون 117 لسنة 1976 بإنشاء البنك الرئيسى للتنمية والائتمان الزراعى وبنوك القرى التى أنيطت بها مهمة تمويل الزراعة بديلاً عن التعاونيات. وسمح قانون الأراضى الصحراوية فى عام 1981 برفع الحد الأقصى لملكية الفرد إلى 2000 فدان و 3000 للأسرة وعشرة آلاف لشركات الأفراد.
وكان القانون رقم 96 لسنة 1992 حاسماً فى التحول الليبرالى فى الزراعة إذ أنهى أهم جوانب قوانين الإصلاح الزراعى ألا وهو تحديد وتقنين العلاقات الإيجارية، وقد تضمن ذلك القانون زيادة القيمة الايجارية من 7 أمثال الضريبة السارية على الأطيان الزراعية إلى 22 مثل الضريبة، وتضمن مرحلة انتقالية انتهت فى أول أكتوبر 1997 لتتحرر العلاقة الإيجارية تماماً، وهو التاريخ الذى يمكن اعتباره نقطة تحول فى العلاقات الاجتماعية فى الريف المصرى.
وقد أدت سياسات التكيف الهيكلى فى التسعينيات إلى زيادة إفقار الفلاحين بفعل مجموعة من الأسباب بالإضافة لما أشرنا له من زيادة الإيجارات الزراعية قبل تحريرها تماماً.
ومن أهم هذه الأسباب زيادة أسعار مستلزمات الإنتاج وتزايد دور القطاع الخاص فى استيرادها وتداولها وكذلك إلغاء الدعم عن أسعارها، والفائدة الخاصة بالقروض الممنوحة لشرائها. وفى ظل هذه السياسات حدثت زيادات حادة فى أسعار الأسمدة، كما ارتفعت أسعار الفائدة بما يزيد على 20%.
العوامل المضادة للتوتر الاجتماعى فى الريف (الكوابح)
على الرغم من التحولات اليمينية وعملية الإفقار والتمايز فلم يشهد الريف المصرى قبل تنفيذ القانون رقم 96 الخاص بالإيجارات الزراعية حركة احتجاجية واسعة... ويمكن إرجاع ذلك لعدد من العوامل:
1-الطبيعة البيروقراطية للنظام الناصرى حيث أن البنيان التعاونى الذى أقامه نظر إليه كتعاونيات دولة وليس تعاونيات ديموقراطية طوعية للفلاحين مما سهل بالقطع عملية تقويض دوره والتحول لآليات السوق. أيضاً النفوذ الكبير لأغنياء الفلاحين فى إطار التجربة الناصرية واستمرار شرائح واسعة من القطاع الريفى خارج دائرة الإصلاحات الزراعية، واستمرار استغلال القطاع الزراعى عموماً بوسائل مختلفة من أهمها الأسعار الإجبارية للمحاصيل التى كانت وسيلة لإعادة توزيع الدخل القومى لصالح المدن ولصالح عملية التصنيع.. فمن المعتقد أن كل هذا شكل نقاط ضعف فى التجربة الناصرية سهلت من إجراءات الارتداد عليها.
2-استمرار الطابع الإصلاحى الناصرى لفترة من الوقت حتى فى ظل السياسات اليمينية الساداتية. لقد كان للتحولات اليمينية طابعاً جزئياً لفترة طويلة قبل التكيف الهيكلى للتسعينيات، فهى لم تقدم على الإلغاء الكامل للإصلاح الزراعى، كما اتبعت سياسة توافقية من أهم معالمها:
أ-إقدامها على تقديم تنازلات للفلاحين فى بعض الأحيان بزيادة أسعار المحاصيل الزراعية مثل القطن والقمح والأرز فى أواخر السبعينيات.
ب-إعفاء صغار الفلاحين الذين يملكون أقل من 3 فدادين من دفع ضريبة الأطيان الزراعية.
ج-استمرار الحكومة فى سياسة دعم المواد الغذائية الأساسية التى ازدادت فاتورتها فى تلك الفترة حتى وصلت فى عام 80/1981 إلى ما يعادل 14% من الدخل القومى.
3-من أهم عوامل تخفيف التوتر الاجتماعى فى فترة الانفتاح الأولى وقبل عصر التكيف الهيكلى والهجرة الواسعة لقوة العمل فى الريف سواءً للعمل فى الخارج، أو للعمل فى القطاعات الأخرى التى شهدت معدلات نمو مرتفعة (الخدمات والتشييد فى المدن). وقد أظهرت دراسة أجريت فى منتصف الثمانينيات أن المهاجرين الريفيين للخارج كانوا يشكلون 66.9% من مجموع المهاجرين المصريين وقت الدراسة، مما يؤكد زيادة تيار الهجرة من الريف.
وقد أثر هذا التدفق على أجور العمال الزراعيين فى ذلك الوقت تأثيراً إيجابياً نتيجة لظهور نقص فى الأيدى العاملة الزراعية خاصة فى أوقات الذروة. وعلى الرغم من أن أجور العمال الزراعيين ظلت أقل كثيراً من أجور عمال الصناعة والخدمات فى المدن، فإنه من المقدر أن الأجر الحقيقى لعمال الزراعة قد تضاعف فى تلك الفترة وإذا كانت هذه العوامل قد ساعدت على عدم ظهور حركة احتجاج فلاحى واسعة قبل القانون 1996 فقد كان رد الفعل الفلاحى الرئيسى تجاه عمليات الإفقار هو أسلوب التكيف المعيشى.
تكيف الفلاحين مع عمليات الإفقار
تتنوع أساليب استراتيجيات البقاء التى يلجأ إليها الفلاحون الصغار والفقراء والمعدمون فى الفترات العادية. ومن بينها تكوين أسرة كبيرة العدد، والعمل المأجور داخل وخارج الزراعة، والهجرة الداخلية والخارجية، واقتصاد إعادة الانتاج الاجتماعى المتمثل فى زراعة المحاصيل الغذائية وتربية المواشى والدواجن واستئجار مساحات قزمية فى الأرض الزراعية بسعر السوق السوداء. ويلجأ البعض إلى أسلوب العمل التعاونى أو "المزاملة" كأسلوب من أساليب البقاء.
وتتفاوت الأهمية النسبية لآليات إعادة إنتاج الوجود الاجتماعى بين الطبقات الفلاحية، كما يتم اللجوء إليها جميعاً أو إلى بعض منها فقط.
تحرير الإيجارات الزراعية وظهور أول حركة احتجاج فلاحى واسعة
يعود تاريخ الاحتجاجات الفلاحية فى مصر فى العصر الحديث إلى فترة الأربعينات التى شهدت تفاقم الأوضاع الطبقية وانفجارات فى أماكن متعددة مثل بهتيم وكفور نجم. وفى فترة الستينيات ورغم الإصلاحات الزراعية فإن اضطرابات فلاحية قد تمت أيضا فى سياق خط تطبيق تلك الإصلاحات ومحاولات القوى الجمعية تعويقها وكان أبرزها ما تم فى قرية كمشيش وكانت المعركة الرئيسية للسبعينات هى معركة تصفية الاتحاد التعاونى (الحكومى).
يرتبط ظهور أول حركة احتجاج فلاحى واسعة بالقانون رقم 96 الخاص بالإيجارات الزراعية. والواقع أن هذه الحركة ظهرت متأخرة نتيجة تأخر الوعى والحركة الفلاحية، إذ ارتبطت بشكل أساسى بعام 1997 والذى كان فى ذات الوقت العام الذى سيشهد التحرير الكامل للعلاقات الإيجارية، هذا على الرغم من أن ذلك القانون كان قد صدر فى عام 1992، أى أن رد الفعل الفلاحى تجاه القانون تأخر لأكثر من أربعة سنوات، ولم يظهر بشكل ملموس إلا بعد إحساس الفلاحين بسريانه الفعلى. وقد تكونت فى ذلك الوقت أشكال فلاحية بدائية فى القرى بمثابة ندِع من الروابط الفلاحية وتفاعلت الحركة الفلاحية مع حركة القوى السياسية المعارضة للقانون (أحزاب التجمع والناصرى والعمل) وبدأ ظهور المؤتمرات الفلاحية حيث شهدت مصر خلال تلك الفترة أكثر من 200 مؤتمراً للفلاحين وتشكلت لجان لمقاومة القانون. وقد تميزت الحركة منذ البداية بتبنى خطاب معتدل لمناشدة الحكومة بتجميد أو تعديل القانون، إلا إنها تضمنت محاولات للاعتصام الفلاحى فى أماكن متعددة. وفى المقابل استخدمت الحكومة أساليب متنوعة لتمرير القانون منها إنشاء ما يسمى بلجان التوفيق، والوعود بمنح أراضى جديدة فى الأراضى الصحراوية، واستخدام نفوذ العمد والمشايخ وأعضاء المجالس المحلية وأعضاء مجلس الشعب. ولكن العنصر الحاسم فى النهاية كان استخدام العنف البوليس لاعتقال أى عناصر فلاحية فى حالات الاحتجاج الجماعى والاعتصامات أو التحضير لعقد المؤتمرات، واستخدام آلة التعذيب داخل أقسام الشرطة لإجبار الفلاحين على التوقيع على تسليم الأرض.. وقد سجلت حالات كثيرة لذلك فى جميع أنحاء الجمهورية.
وإذا كانت النتيجة هى نجاح الحكومة فى النهاية فى تنفيذ القانون فإن فشل الحركة الفلاحية الوليدة فى تحقيق هدفها لمنع تنفيذ ذلك الجانب من القانون الخاص بطرد المستأجرين من الأرض يمكن إرجاعه لمجموعة من العوامل:
عفوية الحركة الفلاحية، واستسلامها لفترة طويلة لأوهام الدولة الراعية مما أدى لتأخر بدء (الحركة كثيراً) وغياب الوحدة الكاملة للهدف، ودرجة المساندة والتنسيق الضرورى مع القوى السياسية المؤيدة للفلاحين (التجمع والناصرى وبعض منظمات المجتمع المدنى الجديدة) وانحياز قسم مؤثر من المعارضة السياسية والدينية (حزب الوفد والإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية) للموقف الحكومى فى تلك القضية، واستخدام سلاح الدين والفتاوى الدينية لصالح الملاك بشكل مكثف، وأخيراً هيمنة الدولة الاستبدادية بجهازها الأمنى القومى والواسع الذى تعود استخدام أساليب البطش والتعذيب.
ورغم الفشل المباشر للحركة الفلاحية فإن العديدين يعتقدون أن هذه الحركة الفلاحية الوليدة لم تهزم هزيمة نهائية. فمن أهم مكاسب هذه المعركة:
1-التخفيف نسبياً من حجم الشراسة التى كان الكثيرون من كبار الملاك يرتيدنها لسحق المستأجرين.
2-استمرارية العقود الزراعية بين الفلاحين والدولة فى الأراضى المملوكة (الإصلاح الزراعى، الأوقاف، مصلحة الأملاك الأميرية)، بدون زيادة فى القيمة الإيجارية.
3-التنسيق بين القوى السياسية والديموقراطية الحريصة على حماية حقوق الفلاحين ومصالح الزراعة المصرية من أحزاب وقوى سياسية ومنظمات ديموقراطية.
4-إقرار الحكومة رسمياً بالحجم الحقيقى للمشكلة (مليون و 600 ألف عقد فى مليون و 200 ألف فدان).
5-تعميق وعى الفلاحين بالواقع الاجتماعى والطبقى والسياسى الذى يعيشون فى إطاره. ذلك هو ما يعطى الإمكانية لجولة أخرى من النضال الفلاحى فى المستقبل ضد سياسات الإفقار المتزايد فى إطار برنامج فلاحى ديموقراطى.
إمكانيات البديل الفلاحى الديموقراطى
يتضح مما سبق كله، وعلى ضوء الأزمة المزمنة والهيكلية التى تعيشها الزراعة المصرية فى ظل السياسات الحكومية الحالية، وعلى ضوء الاتجاه الواضح لتمايز الفلاحين وإفقار فئات واسعة منهم من الشرائح الوسطى والصغيرة، وأيضاً على ضوء وجود بداية حقيقية لحركة فلاحية واسعة للمرة الأولى، أنه من الضرورى تقديم برنامج زراعى فلاحى بديل تتسلح به هذه الحركة ويكون قادراً على تقديم مخرج من الأزمة الراهنة.
إن هذا البرنامج بالذات يحتاج لأوسع حوار ممكن فى صفوف الفلاحين أنفسهم وداخل الدوائر السياسية والديموقراطية المساندة لقضايا الفلاحين حتى ينضج بشكل كامل. ومع ذلك فإن العديد من عناصر هذا البديل الفلاحى الديموقراطى المقترح قد طرحت من جانب القوى السياسية الحليفة للفلاحين. ويمكن استعراض أهم هذه النقاط الرنامجية المقترحة فيما يلى:
1-زيادة حجم الادخار والاستثمار
وإعادة توجيه قطاعياً
حجر الزاوية فى التنمية يظل الادخار والاستثمار المحلى، وإذ تتراوح معدلات الادخار المحلى فى مصر وفقاً لبيانات مختلفة من 17% إلى 12% فإنه فى جميع الأحوال تقل كثيراً عن الدول النامية الأخرى كالهند وكوريا الجنوبية وينطبق ذلك على الاستثمار المحلى الذى يقدر بـ 18% من الناتج المحلى الاجمالى. وأى بديل تنموى لابد أن يستند بالدرجة الأولى إلى زيادة هذه المعدلات أولاً، وإلى إعادة توجيه تخصيص الموارد ثانياً إلى القطاعات الإنتاجية وعلى رأسها القطاع الزراعى الذى سبق أن أشرنا إلى انخفاض نصيبه من الاستثمارات بالمقارنة بجميع القطاعات الأخرى.
2-إعادة دور الدولة فى تحديد التركيب المحصولى، وعدم ترك تلك العملية لآليات السوق، حيث لا يرتبط ذلك فقط باحتياجات تنموية عامة، بل إنه شديد الصلة بالخصوصية المعروفة للزراعة المصرية النهرية.
ومن المتصور فى هذا الإطار الاهتمام بوضع حد التشتت والبعثرة المحصولية، وتخفيض نسبة المحاصيل عالية الاستهلاك للمياه، وزيادة نسبة المحاصيل التى تتطلب الضرورة توفير درجة مرتفعة من الاكتفاء الذاتى فيها. أى أن أحد الأهداف الأساسية للسياسة الزراعية هو تقليل الفجوة الغذائية خاصة فى ظروف الجات وما تفرضه من صعوبات بوسائل مختلفة فى وجه الصادرات الزراعية المصرية، وما تتضمن من ارتفاع آخر فى قيمة فاتورة الواردات الأساسية وعلى الأخص القمح.
3-المطالبة بإصلاح زراعى جديد يتضمن منع الأجانب من تملك الأراضى الزراعية الصحراوية، ووضع سقف لتملك المصريين، وتدخل الدولة لتنظيم العلاقات الإيجارية بشكل متوازن.
4-حماية متوسطى وصغار المنتجين الزراعيين من سياسيات الإفقار فى ظل عشوائية السوق. ومن المهم تحرير الحركة التعاونية من البيروقراطية الحكومية وبناء منظمات تعاونية حقيقية بشكل ديموقراطى فى إطار سياسات حكومية عامة لدعم القطاع التعاونى ليس فقط باعتباره الإطار الذى يحمى مصالح ملايين المواطنين، بل كذلك باعتباره أحد الأطر المشروعة التى تتيح مجابهة تحديات عصر العولمة فى ظل منظمة التجارة العالمية، ويطلع التعاون فى هذا الإطار بمعالجة مشكلتين بالغتى الحيوية للقطاع الزراعى الصغير وهما مشكلتا التمويل والتسويق ويقترح هذا تحويل البنك الرئيسى للائتمان الزراعى والتنمية وبنوك القرى إلى بنك للتعاون الزراعى يملكه ويديره التعاونيون لخدمة الفلاحين والإنتاج الزراعى، مع تحويل الجمعية التعاونية إلى وحدة اقتصادية متكاملة مؤهلة لتوفير مستلزمات الإنتاج بأسعار ملائمة وتقديم القروض.
5-تحسين الأوضاع البيئية نظرا لأن المعدلات الراهنة للتنمية الزراعية فى مصر رغم تواضعها قد اعتمدت على استخدام مكثف لكل من الأسمدة الكيماوية والمبيدات الحشرية بدرجة أصبحت معها التربة المصرية تعانى من أعلى معدلات التلوث فى العالم ويتطلب ذلك خطة شاملة لاستخدام المقاومة الطبيعية الحيوية.
6-إن نجاح النضال الفلاحى مرتبط بالتحول الديمقراطى العام فى المجتمع. إذ أن الانكسار الذى حدث فى الحركة الفلاحية قد سبقته انكسارات مشابهة فى الحركة العمالية.. ومع ذلك فالحركات الاحتجاجية فى الحالتين ما زالت موجودة بدرجات متفاوتة.. لذلك يظل التحول الديمقراطى العام ضرورة.. وفى إطاره الحريات النقابية بما فى ذلك الحرية النقابية لعمال الزراعة المحرومين من الأرض، والذين هم أشد فئات الطبقة العاملة معاناة.
6-يظل التكامل الاقتصادى العربى والأفريقى أحد عناصر البديل الديمقراطى فى مواجهة عصر العولمة ويكتسب هذا التكامل أهمية خاصة فى الظروف المصرية بسبب مشكلة المياه. إذ بينما تقدر حصة مصر من المياه حاليا بـ 56.9 مليار متر مكعب. ولما كانت ندرة المياه أحد المشاكل الطبيعية الرئيسية التى تواجه الزراعة المصرية فمن المعتقد أنه يمكن عن طريق ترشيد الاستخدام توفر 10 مليار متر مكعب إضافى سنوياً.
ولكن الاحتياجات المتوافرة فى دول حوض النيل هى أكبر بكثير وتتجاوز 650 مليار متر مكعب يتبدد معظمها فى مناطق المستنقعات دون أن تستفيد منها دول الحوض. وفى حالة التخطيط المشترك للاستفادة من هذه الموارد التحتية يمكن تلبية احتياجات جميع الدول، بما يتيح لمصر توسعاً إضافياً فى الأراضى الزراعية.
مركز البحوث العربية للدراسات والتوثيق والنشر"
عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]
الى منتفعي الإصلاح الزراعي في مصر بحريها وصعيدها
احمد زكي
9 اكتوبر 2005
تعرفون، وطبعا آباءكم وأجدادكم يعرفون، أن الدولة بدءا من يوليو 1952 اصدرت قوانين عديدة غيرت بها شكل ملكية الأرض الزراعية... كان أول قرار كبير أصدرته الدولة هو القرار الذي صدر في 9 سبتمبر 1952، بعد استيلاء الضباط على الحكم بشهر... القانون المسمى بقانون الإصلاح الزراعي، والذي حددوا فيه الملكية الزراعية بـ 200 فدان، ثم اصدروا قانونا آخر عام 1961 حدد الملكية بـ 100 فدان، وآخر عام 1969 حدد الملكية بـ 50 فدان.
كانت الدولة تستولى على الأراضي التي تزيد عن هذه الحدود، وتؤجر معظمها لكم..وكنتم تدفعون إيجارا للدولة عن الأرض التي تزرعونها كل عام... كانت الدولة تعطي جزءا من هذا الإيجار لكبار ملاك الأرض الذين صادرت أراضيهم على سبيل التعويض.. أما أراضي الملك وعائلته – وهي مساحات هائلة من الأفدنة - فقد استولت الدولة عليها وعلى ايجاراتها بالكامل... كانت الدولة تسمي كبار ملاك الأرض وقتها بالاقطاع... وكانت الدولة تحاربهم لأنهم كانوا عماد الحكم الملكي السابق على حكم الضباط...
الدولة لم تسمح لكم وقتها بتملك الأرض (بل احتفظت بملكيتها لنفسها – الدولة؛ هيئة الإصلاح الزراعي)...
وبعد وفاة جمال عبد الناصر قام رئيس الدولة الذي خلفه، أنور السادات، بإصدار قرارات تساعد الإقطاعيين وورثتهم على استرداد الجزء الأعظم من هذه الأرض.. ولكن قوانين الإيجارات في السبعينات لم تكن تمكن الإقطاعيين وورثتهم من طرد الفلاحين من الأرض... لذلك عندما ألغي قانون الإيجارات القديم، في عهد رئيس الدولة الحالي حسني مبارك، وحل محله القانون 96 الذي صدر عام 1992... أباح ذلك القانون فرصة طرد المستأجرين من الأرض.
قام الإقطاعيون وورثتهم برفع قضايا أمام المحاكم وتمكنوا من الحصول على أحكام بطرد بعض الفلاحين... وكانت تلك الأرض هي الأرض المدونة في سجلات رسمية بإدارة المساحة، أما الأراضي التي لم يستطع ورثة الإقطاعيين إثبات ملكيتهم لها.. فقد لجأوا إلى حيلة وحيل... ساعدتهم على إتمامها وتنفيذها أجهزة الدولة البيروقراطية بسطوتها الشديدة... مثل هيئة الإصلاح الزراعي التي كانت تنفذ القانون فيما سبق.. والجمعيات التعاونية الزراعية التي هي أجهزة بيروقراطية حكومية تحمل اسم التعاونية فقط.. من خلال المديرين الذين يترأسونها..
كان ولاة الأمر عند المبدأ، يضربون مصالح كبار ملاك الأرض، وأسموهم وقتها بالاقطاعيين. كان هؤلاء الاقطاعيين كما يعرف آباءكم وأجدادكم هم سند النظام الملكي الذي كان قائما قبل قيام النظام الجمهوري الذي يحكمنا الآن.
ولما استتب الأمر لهم، وحتى يستتب لهم الأمر دائما كما يحلمون، أصدروا قوانين أخرى تباعا... كرسي الحكم تحميه القوانين ويتطلب دائما صدور قوانين... قد يكون مرة في صالح الفلاحين وقد يكون مرة في صالح من يظلمونهم.. ولكنه دائما في صالح من يحكم...
قديما كان ملاك الأرض الكبار في نظر ولاة الأمر هم الإقطاعيين الاشرار الذين ظلموا الفلاح واستعبدوه، ومنذ فترة أصبح ورثة الاقطاعيين اسمهم الآن رجال الأعمال والقطاع الخاص ودينهم هو السوق الحر والعالم الخارجي... وهم الشركاء في عملية التنمية... والحكومة تشجع بأمر الامريكان والغرب الرأسمالي السوق الحر والتصدير للعالم الخارجي....
في المرتين: الأولى عندما كان ولاة الأمر يقفون ضد الاقطاعيين (كبار ملاك الأرض)، والثانية (الآن) وولاة الأمر يقفون مع ورثة الاقطاعيين، لم يكن الهدف سوى المحافظة على كرسي الحكم وامتيازاته الهائلة...
وفي المرتين: أولا عندما كافح الفلاحون من أجل أن تكون قوانين الإصلاح الزراعي قوانين إصلاح حقيقية لصالح الفلاح سواء كان مستأجرا أم فلاحا صغيرا. تصدت لهم الدولة، ومنعت تطور حركتهم... منعتهم من أن يكونوا يدا واحدة تدافع عن مصالحهم التي هي مصالح ملايين من أفراد الشعب... وكانت معارك كمشيش في الستينات وسقط الشهداء: صلاح حسين و... و.....
وفي المرة الثانية – الآن - يتصدى فلاحو الإصلاح لهذه الهجمة التي يقوم بها ورثة الاقطاعيين المتحالفين مع أجهزة الدولة (الاصلاح الزراعي- القضاة الموالين لهم – أجهزة الأمن- كبار البيروقراطيين)...
فلاحو الإصلاح مرة ثانية يقدمون الشهداء والجرحي والمعتقلين والمحتجزين..
ولكن عزيمتهم لا تلين وإصرارهم لا ينكسر بالتمسك بحقهم في الوجود على الأرض التي يزرعونها.... قدم فلاحو الإصلاح الثمن في سراندو وفي بهوت وفي صرد وفي ميت شهالة وفي ......
استولت الدولة على أرض الاقطاعيين وعوضتهم عنها من جيوب الفلاحين على شكل الايجارات السنوية التي كانوا يدفعها منتفعو الاصلاح الزراعي طوال السنين... ولكن الدولة تحول الدفة الآن وتقف مع الإقطاعيين وورثتهم من أجل الحفاظ على كرسي الحكم، وتفتح الباب بقوانينها لورثة الاقطاعيين والفاسدين لكي يحيكوا المؤامرات وشتى الحيل والألاعيب من أجل طرد فلاحي الإصلاح من الأرض بعد أن دفع الفلاحون ثمنها أضعافا مضاعفة للحكومة..
الصورة واضحة، وفلاحو الإصلاح قد أقسموا قسما ألا يتركوا أرضهم لأن حياتهم وأسباب رزقهم فيها...
لا يطرد فلاح من أرض يزرعها....
الحكومة استولت على أرض الإصلاح وقبضت ثمنها وما تزال....
أرض الإصلاح ملك منتفعي الإصلاح....
الحكومة - وليس المنتفعين - هي التي تعوض ورثة الاقطاعيين إذا كان التعويض الذي قبضوه سابقا لا يكفيهم.....التعويض ليس على حساب منتفعي الإصلاح هذه المرة!
واجب الدولة أن تدعم الفلاح حتى يستمر في زراعة الأرض واشباع احتياجات الناس من الطعام...
للمزارعين (مستأجرون وفلاحين صغار ومتوسطين) الحق في تشكيل روابطهم ونقاباتهم المستقلة وأشكال التسويق التعاوني لمنتجاتهم، كما كفلها الدستور في مصر وكما كفلتها المواثيق الدولية التي وقعت عليها الحكومات المصرية....
هذا هو الحق الذي يقف من أجله منتفعو الإصلاح الزراعي...
هذا هو الحق الذي يقف من أجله كل فلاح يزرع الأرض لخيره وخير الناس...
هذا هو الحق الذي يقف من أجله كل صاحب ضمير على أرض بلادنا...
لتمتد الأيادي من كل أنحاء أرض مصر... من سراندو ومن بهوت ومن ميت شهالا... ومن كمشيش ومن... حتى تتصدى معا لهجمة الاقطاعيين وورثتهم والفاسدين في أجهزة الدولة لطرد منتفعي الإصلاح من أرضهم.. والاستيلاء عليها!
عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]